Tunisie

تجريم السياسة

في الوقت الذي ينصبّ فيه الاهتمام المحلي والدولي على رموز المعارضة وقادة الأحزاب السياسية والإعلاميين القابعين في السجون باعتبارهم مجرمي حق عام (كما يقول بيان وزارة الخارجية التونسية ردا على المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة)، هناك فئة أخرى من الأشخاص الذين طالتهم يد (المحاسبة)، وقليلا ما يحظون بتعاطف الجمهور. إنهم المسؤولون السابقون في مختلف أجهزة الحكم

نواب في البرلمان، رؤساء بلديات، مسؤولون في الإدارة العمومية، وزراء، رؤساء حكومات، بعضهم معروف وكثير منهم مجهولون تماما ولم تقع عليهم أضواء الإعلام، هؤلاء ليسوا بالضرورة ممن يمثلون اتجاهات سياسية، بل كثير منهم (تكنوقراط)، لكنهم يشتركون جميعا في أنهم مروا بتجربة الحكم، أو قاموا بدور ما في السلطة، وهذا ما يجعلهم (لا بواكي لهم)، ونادرا ما يتجرأ أحد على إعلان تعاطفه معهم وإلقاء الضوء على قضاياهم

سواء أكان لهؤلاء ارتباط مؤكد بقضايا فساد حقيقية أو كانوا موقوفين بموجب الشبهة فإنه من الواضح أن (المحاسبة) نزلت الآن وبشكل غير مسبوق إلى مستويات دنيا في سلم المسؤوليات السياسية، وأن كثرة عدد الموقوفين يعطي انطباعا بأن الفساد هو القاعدة وما سواه هو الاستثناء. وهو انطباع يبدو أن النظام القائم يسعى إلى تكريسه عمدا دون أن يعمل شيئا خارج سياق المحاسبة من أجل إعادة النظر في القوانين البالية والتراتيب الإدارية القديمة

سيؤدي هذا بالضرورة إلى تعطيل عنصر المبادرة، ففي مختلف مستويات الإدارة لن يبادر أحد بالاجتهاد لتحقيق المصلحة العامة طالما أنه يمكن أن يتهم في أي لحظة بتحقيق منفعة خاصة. وهذا يتناقض تماما مع منطوق الخطاب الرئاسي الذي يلح على ضرورة أن تكون لدى المسؤولين مقاربات جديدة وحلول لمختلف القضايا

ويؤدي هذا أيضا إلى (تجريم السياسة)، فبينما تعتبر الذاكرة الجماعية الوظيفة السياسية السامية مرتبة عليا في المجتمع يسعى إليها الفرد وهو يتسلق المصعد الاجتماعي، تقوم الشعبوية الآن بنسف هذا التصور وخلق إحساس عام بأن الوزراء والمسؤولين فاسدون بالضرورة مثلهم مثل رجال الأعمال، ولم يعد ممكنا لأحد أن يأنس في نفسه الكفاءة للاضطلاع بوظيفة عليا في جهاز الحكم طالما أنها ستفضي به إلى غياهب السجون لاحقا دون أن يكون بالضرورة مجرما

لكن مثل هذا الأسلوب في (محاربة الفساد) سيدخل السعادة على نفوس الكثيرين من معتنقي نظرية (الشر للشر) والبارعين في الشماتة والتشفي، وهم غالبا من الفئات التي تمتهن التصفيق لكل من يعتلي سدة الحكم، ويمنعهم مستواهم المتواضع من تجاوز الصفوف الخلفية للأحزاب السياسية. هؤلاء (الطحانة) هم الذين يسعدهم أن يروا من كانوا يصفقون لهم سابقا ملاحقين قضائيا ومطلوبين للعدالة ومنفيين عن وطنهم سواء أكانوا مذنبين حقا أو أبرياء

بقلم عامر بوعزة