وباء « كورونا »… وعلامات الساعة »

امتلأت ذاكرتنا منذ الصغر بحكايات من التراث الشعبي… وما يتبعها من رعب

أمام وباء « كورونا » المتفشي بشراسة في الدنيا هذه الأيام، يزحف من جميع الجهات على كل القارات، لا يعترف باللغات ولا بالديانات ولا بالقوميات، عادل في توزيع الهلع، هلع في القلوب ورعب مجسّد في الشوارع الفارغة التي كانت بالأمس عامرة بمطاعمها وساحاتها العامة وقاعات الفرجة فيها، سينما ومسرح ومنصات أخرى، مطارات مأهولة وطائرات رابضة، الجميع يفكر في هذا الموت وفي مقاومته، شعور عام وكأنما على الدنيا السلام

في المقابل، تسابق المختبرات العالمية الزمن بحثاً عن « سفينة نوح » لإنقاذ ما يمكن إنقاذه للاحتفاظ بالحياة على هذا الكوكب. هو طوفان من نوع آخر، طوفان في طوفانين: غلغامش ونوح معاً؟

أمام هذه المشاهد الغريبة التي تنقلها وتتناقلها التلفزيونات في العالم على مدار الساعة، حيث الرعب والحجر والترقب والرقابة، نتذكر نحن الذين كبرنا في وعلى ثقافة شمال أفريقية وعربية وأفريقية بعض ما كان يُروى لنا من حكايات عن نهاية العالم، عن علامات « الساعة »، حكايات تجعلنا في انتظار أن تشرق الشمس من المغرب، في انتظار أن نسمع خبر مفاده أن بغلة ولِدت في الصين أو الهند أو تونس أو حضرموت، في انتظار أن تنقل لنا شاشات التلفزيونات ظهور يأجوج ومأجوج في القدس أو في المنامة أو في وهران؟

الموت في « علامات الساعة » لا يشبه موت الحروب ولا موت المجاعات ولا موت المنافي ولا الموت الطبيعي، إنه شبيه بعلامات موت « ساعة كورونا »!

هكذا امتلأت ذاكرتنا منذ الصغر بحكايات كثيرة من التراث الشعبي عن « علامات الساعة » وما يتبعها من رعب وهلع، وفي تلك الحكايات الغريبة اختلطت وتقاطعت عناصر الثقافة الشعبية.

كثيرة هي تلك القصص والحكايات التي قرأناها في الكتب وسمعناها أيضاً من حكواتي الأسواق الشعبية الأسبوعية في قرانا ومن الجدات المحنكات على الوسائد، حكايات تشبه في تفاصيلها وصورها ما يحدث اليوم من هلع والعالم يواجه وباء « كورونا »!

وإذا كان العالمان الأوروبي والأميركي بشكل عام يتعاملان مع هذه الظاهرة الوبائية بمقاربات علمية صارمة وباستراتيجيات وقائية مدروسة ودقيقة، يظهر فيها الخوف على أرواح البشر، ففي العالم العربي والمغاربي والإسلامي بشكل عام، وعلى الرغم من بعض التقدم المسجل في الوعي الجمعي والفردي، لا يزال التعامل مع مثل هذه الظواهر تعاملاً يعتمد المقاربة « الدجل » وتفسير الأمر تفسيراً « قدرياً » وعلى أن ما حدث ويحدث هو « غضب من الله » على عباده الذين زاغوا عن سبيله.

لم نبتعد كثيراً عن حكايات « علامات الساعة »، فقد ادعى بعضهم على قدرة « الرقية » على شفاء المصاب بفيروس كورونا، وبعضهم ادعى أنه اكتشف دواء، ليظهر على شاشات التلفزيونات وهو يتحدث عن اكتشافه بشكل يدعو إلى السخرية والقرف، فالمخابر العلمية العالمية تشتغل ليل نهار عبر أركان الأرض الأربعة، وبتنسيق وبسرعة تحسب للثانية حسابها، ولم تتجرأ على الإقدام على تصريح مثل هذا، ليجيء أحدهم وبكل « استخفاف » بالعلم، مدعياً أن « علماء » من الجزائر والعراق اكتشفوا « الدواء » أو « اللقاح » لمواجهة هذا الفيروس!

كلما تعقدت الأمور في الغرب وازداد الهلع من علامات « ساعة كورونا »، رافقته صرامة في الوقاية والحجر، وبذل العلماء جهداً وتنسيقاً كبيراً في البحث عن « لقاح » لهذا الفيروس. في المقابل، ازدادت « الدروشة » وامتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بـ « الأدعية » في العالم العربي والمغاربي والإسلامي، حتى أن بعض المنشورات تقول إن « كورونا لا يصيب المؤمنين، إنه عقاب للصين لأنها اضطهدت مسلميها! ».

لقد أعاد وباء فيروس « كورونا » الدين إلى مكانه الصحيح، بعيداً عن العلم، بل أصبح الدين يستمع إلى العلم، مكتفياً بمكانته الروحانية الصافية، فما نلاحظه من إغلاق الكعبة وتعليق العمرة ومنع صلاة الجمعة في بعض المدن في بلاد المسلمين، وما قام به البابا باسم الكنيسة من إجراءات للحد من التجمهر ولو للصلاة لله. كل هذه الإجراءات الشجاعة تجعل المؤمن الصادق الذي لم يخرب عقله الإسلام السياسي، يتسمك بدينه في قلبه وينتظر أخبار المختبرات والعلماء.

رُبّ ضارة نافعة، نقول ذلك بكل أسف، استطاع وباء كورونا والإجراءات الوقائية الشجاعة والمناسبة التي اتُخذت بكل شجاعة في بعض بلدان العالم الإسلامي، تخليص الدين من سارقه والمتاجرين به سياسياً أو دجلاً متلبساً بالعلم والطب. رُبّ ضارة نافعة فقد مثّل انتشار وباء فيروس كورونا وقفة وعي  في المجتمعات العربية والمغاربية والإسلامية بشكل عام، حيث حرّك الوعي الفردي والجماعي الديني والسياسي والوقائي الحضاري، تجاه محيطه وحياته، فهل سيرتب كورونا العقل الإسلامي ويحرر المواطن المؤمن من الدجل ويخلصه من « الاتكال »؟

بقلم أمين الزاوي