لو كانت لديّ سلطة

لو كانت لديّ سلطة في هذه البلاد، لقمت بالتعجيل في إعادة الروح لمؤسسات الدولة لأن الدولة بدون مؤسسات شرعية ومُمثّلة هي، ببساطة، فاقدة لمُقوّمات الدولة الديمقراطية، والتي نُسمّيها دولة القانون والمؤسسات، وذلك بتنظيم انتخابات نزيهة وشفافة. وأعتقد أن ذلك يُمكن القيام به في غضون شهرين أو ثلاثة. وعندما تُصبح لدينا مؤسسات شرعية يُمكن الشروع في القيام بالإصلاحات الكبرى الضرورية والعاجلة، ومنها

أولا: تشكيل لجنتين مُتكوّنتين من الكفاءات الوطنية العليا في مجالي القانون والاقتصاد، ويُستحسن أن يكونوا من أصحاب الآراء المختلفة حتى يتمّ بينهم تلاقح الأفكار أثناء عملهم، ويُطلب منهم وضع تصوّرات عملية وتنقيحات لأهم القوانين السارية، بما فيها الدستور والقوانين الأساسية لأهمّ مؤسسات الدولة، ليتمّ عرضها عاجلا على المجلس النيابي المُنتخب. والنتيجة المُنتظرة من هذا التمشّي هي رسم الأسس الجديدة للدولة، سياسيّا واقتصاديّا، تقطع مع التسيير العشوائي لسياسة البلاد. أسس تُعيد للدولة هيبتها وللاقتصاد انتعاشه وتسدّ الطريق أمام المُتهرّبين والمُهرّبين والمحتكرين والراشين والمرتشين، وأمام الانتهازيين وعديمي الكفاءة

ثانيا: المحاسبة الفعلية، في نطاق القانون والشفافية التامة لمن أساؤوا للوطن، سياسيّا واقتصاديّا، حتى يكونوا عبرة لمن سيتولّى السلطة مستقبلا. فعلى المستوى السياسي، لا يُعقل ألّا يُحاسب من أنهك الدولة وعمل ضد سيادتها واستقلال قرارها وأدخلها عنوة في محور الشر الداعم للتطرّف والإرهاب، وعمل في اتجاه مناقض لقيم الجمهورية ولقيم المدنية والتحضّر، فنشر الفكر العنيف والتكفيري في أوساط شبابنا وأطفالنا. كما أنه لا يُعقل ألّا يُحاسب من أفرغ خزينة الدولة، أموال الشعب الكادح، للاستفادة الشخصية أو لخدمة أحد الأحزاب

ثالثا: معالجة معضلة الإرهاب بشكل جذري، إذ أن المعالجة الأمنية أظهرت حدودها، طالما أننا لم نعالجها سياسيّا وقضائيا وإعلاميّا وثقافيّا، حتى نتخلّص منها نهائيّا. فعلى السياسيين في السلطة أن تكون لهم الجرأة اللازمة والإرادة الحقيقيّة لانتزاعه من جذوره، وعلى القضاء التحقيق العميق في أصوله وفيمن وراءه، وعلى الإعلاميين الكف عن اللعب بالنار بمنح مساحات إعلامية لمبيّضي الإرهاب. فلا مجال لجمعيات مشبوهة مثل مقر القرضاوي في دولة مدنية متحضّرة. ويبقى السلاح الأقوى لقطع الطريق أمام الفكر التكفيري والعنيف هو التعليم

رابعا: القيام بإصلاح عميق للمنظومة التربويّة بشكل يُتيح للتلميذ تعليما مُستنيرا يُمكّنه من التخلّي عن المُسلّمات المُتخلّفة والمعتقدات البالية، ومن التمرّس على الفكر النقدي وانفتاح العقل على اللغات والثقافات والحضارات والأديان المختلفة بشكل يخلق فيه النسبيّة في التفكير ويزرع فيه الرغبة في التعايش السلمي مع المختلفين معه، ممّا يُساعد على الحدّ من التعامل العنيف في المجتمع عموما، وفي المدارس والمعاهد بالخصوص، حيث استشرى في الآونة الأخيرة بشكل مُفزع جرّاء تدريس الانغلاق والتزمّت، وجرّاء تعمّد بعض المُدرسين إعطاء الصبغة القدسية على ما يُقدّمونه من إيديولوجيات تتناقض مع التفكير المنطقي

خامسا: لا تستقيم الدولة المدنية ولا يُمكن لها أن تطمح إلى التقدم والرقيّ إذا كان نصف شعبها مُهمّشا. ونعلم جميعا أنّه تُوجد في تونس ترسانة من القوانين، ومنها فصول من الدستور، تمنح للمرأة التونسية كثيرا من الحقوق ومن الإحاطة بها ضد كل أنواع التمييز أو التعنيف. لكن هذه الحقوق تبقى منقوصة طالما أنها لا ترث تماما مثل أخيها. أما الأدهى من ذلك فإن هذه الترسانة أظهرت حدودها بالنظر إلى تفشّي ظاهرة العنف ضد المرأة التونسية، وصل في الآونة الأخيرة حدّ الحرق والقتل. فالمشكلة إذن ليست فقط في النقص في النصوص القانونية الحامية للمرأة، وإنما في العقلية الذكورية الخبيثة والمتسلّطة السائدة في الكثير من المناطق وفي عديد الأوساط. هذه العقلية المتخلفة والتي تُعطّل التطور الطبيعي للمجتمع لا يُمكن القضاء عليها بالقوانين فحسب، وإنما بحملة تثقيفية واسعة لابدّ من إيلائها ما تستحقّ من أهميّة. فتثقيف المجتمع على المساواة الفعلية بين الجنسين لا يقلّ أهمية عن العمل على انتعاش الاقتصاد أو عن سائر الحقوق والحريات التي يُقرّ بها الدستور

سادسا: ولأن الثقافة الوطنية الحداثية هي مفتاح تنوير العقول ضد التطرّف والعنف والإرهاب، فإن العناية بها أمر أساسي وعاجل، بعد أن انحدرت قيمتها إلى الحضيض في العشرية الماضية وعوّضتها الجمعيات والمدارس التي تنعت نفسها ب »الخيرية » و »القرآنية » كغطاء خبيث على مضامين ما تنشره من خطاب عنيف يتضارب تماما مع المنطق ومع العقل المُتحضّر السليم. وعلى السلطة، وبالتعاون مع نساء ورجال الفكر والثقافة والآداب والفنون، أن تعمل على رسم سياسة تثقيفية تقدّمية وتطبيقها في المعاهد وفي دور الشباب، مع فتح فضاءات جديدة حيث يجد الشباب مجالا للخلق والإبداع بعيدا عن المُسلّمات المقيتة التي تحدّ من الابتكار

القائمة تطول لتشمل الإصلاحات في الفلاحة وفي النقل وفي البيئة… ولكن

لكن المشكلة ليست في أنني ليست لديّ سلطة، لأن الإصلاح الشامل لا يرتبط بشخص أو بإرادة حزب أو جمعية، وإنما هي قضية كل من يُريد خيرا لتونس، بعيدا عن الفاسدين سياسيا واقتصاديا، وعن الانتهازيين، وأضيف لهؤلاء مع الأسف، الوطنيين المُستقيلين الذين يسمعون دويّ سقوط بلادهم دون أن يتحرّكوا لوضع حد لذلك السقوط

منير الشرفي