لكل امرئ من دَهْرِه ما تعَوّد

هذه هي عُملته .. هذه هي سكّته .. أوراق المال وسيط شامل لكل القيم .. المال يشتري الكذب فيزينه صدقا بمفعوله السحري. إذ ما الصدق إلا ما يصدقه الناس. فلما كان المال يشتري التصديق صار الكذب صدقا لأن الناس يصدقونه. المال يشتري الشر فيبدله خيرا: إذ ما الخير إن لم يكن هو ما يستحسنه الناس. فلما كانت الناس يستحسنون الأشياء على قدر ما تدر عليهم، صار الشر خيار الخير مادام مدرارا على من يستحسنونه. المال يشتري الدمامة وقبح الخلقة فيحولهما جمالا ووسامة : إذ ما الجمال إن لم يكن ما تقبل عليه وتنجذب إليه أجمل السيدات . فلما كان من الجميلات من تتهافتن – في خياله اليائس – على المال تزينت عندهن الدمامة وتحسن القبح . هذه هي عملته . إنها لم تقدّ من معدن ثابت، وإنما من معدن وسيط يباع به ويشترى كل شيء : وفي حركته تلك أن ليس ثمة ما يعلو على المال : لذلك هو يرشقه حتى يذعن له كل من حوله . فلما لم تذعن « هي »، جن جنونه ومر إلى العنف . ما العنف إذن ؟ إنه مواصلة لما لا يستطيعه المال .. ما لا قوة للمال عليه 

هذا هو الأمين الذي استأمنتموه ليمثلكم أيها التونسيون : لكل امرئ من دهره ما يرفع في وجوه الناس. معاوية رفع المصاحف في وجه علي لأنه يعرف أن عليا لا يستطيع ضرب السيف في وجه المصحف. أما سيف فقد رفع النقود في وجوه التونسيين الذين يعرف أنهم لا يستطيعون أن يواجهوه وأن يصمدوا في وجهه وبريق أوراق المال يغريهم ويغويهم ويعميهم .. فلما أن تصدت له سيدة لا تغريها أوراقه ولا تخجل من رقاعته وليس لها من دون الوطن ما تخشى من ذهابه وضياعه، جُن في ليلة واحدة فاستنفد ماله وعضلاته وعفن لسانه .. ولم يمر إلا مكشوفا مفضوحا .. رب مرور سيرده هذا الشعب ويحرق مع رده كل أوراق المال الفاسد التي انبرى ينثرها على جبينه ظانا أنه إنما ينشرها على جبين خصمه

محمد أبو هاشم محجوب