لقاءات لطفي زيتون المكّوكِيِة جرعة أوكسجين متأخرة لمنظومة مهترئة

في الوقت الذي ترتفع فيه آهات أهلنا في الجهات المنكوبة وتتكاثر نداءات الاستغاثة ويعلو الصراخ غضبا وهلعا من الكورونا ومن ضيق ذات اليد في محاربتها وفي مجابهة غلاء الأسعار، يطلّ علينا «أولي الأمر» فينا من عليائهم ومن أبراجهم العاجية ليبشرونا بعزمهم الالتقاء والحوار بعد فترة من المكابرة والتعفّف والمزايدة والاتهامات المتبادلة بل والحرب الكلامية المعلنة

ليس ذلك فحسب جاء في «البشارة» أنهم سيلتقون بواسطة «لتباحث الأوضاع العامة في البلاد وإثارة بعض القضايا السياسية والاجتماعية والقانونية» كما جاء في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية عن فحوى لقاء ساكن قرطاج بالقيادي النهضاوي السابق والمستشار السياسي لراشد الغنوشي لطفي زيتون يوم الثلاثاء 22 جوان الجاري

في نفس اليوم، التقى الإخواني زيتون رئيس تنظيمه ورئيس مجلس نواب الشعب، وقابل الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، ووثّق مشكورا في صفحته الخاصة على الفايسبوك بالصورة والنص هذه اللقاءات وكشف ما ارتأى كشفه لنا تماما كما فعل من قابلوه لدرجة يصعب فيها حتى باعتماد منهج تحليل المضمون الوقوف على مشترك بين «التدوينات» فكل طرف تغنّى بليلاه ونقل لنا ما يريد لا ما نريد نحن معرفته بطبيعة الحال

وفي نفس اليوم أيضا، يلتقي رئيس الحكومة بالأمين العام للمنظمة الشغيلة فجأة للحديث عن الوضع الوبائي بالجهات ومتابعة تقدم المفاوضات، ويستقبل رئيس الجمهورية السيد رضا شهاب المكي، وتناول اللقاء وفق الرئاسة دائما مسائل متعلقة بالشأن العام في تونس وكذلك التصورات التي تم تداولها منذ أكثر من 10 سنوات والتي أثبتت الأحداث المتلاحقة على المستويين السياسي والاقتصادي ملاءمتها للوضع لا في تونس فحسب بل في العالم بأسره !. وبالرجوع إلى التسجيل الصوتي للّقاء نكتشف الذكريات الجميلة بينهما وأهمية تضحيات الرجلين في السباق الانتخابي الرئاسي لدرجة صعوبة الظفر بثمن فنجان قهوة في يوم من أيام الحملة

هو الترف السياسي بعينه أو السياسة من الأبراج العاجية حين نختزل مأساة ومعاناة المواطنين في رغبة شخصية في تغيير النظام السياسي ونظام الاقتراع اليوم حتى وإن كان حلما مشروعا وجديرا بالطرح، وكذلك الأمر بالمزايدة والتشبث بحكومة أو بالتحديد رئيس حكومة مقتنع هو شخصيا بأنه مجرد ورقة بيد الأغلبية الحاكمة المتنفذة التي تضم الى جانب الجماعة الاسلامية قلب تونس وائتلاف الكرامة وكيانات صغيرة وشخصيات أخرى لا معنى لوجودها خارج باردو والقصبة بما أن الشارع لم يعد يتسع لها

لقد دخلنا في النهاية الى مرحلة ما بعد أطروحة الحوار الوطني الكبير إن جاز القول والذي دعا اليه الاتحاد وشاركه وأيّده في الدعوة إليه طيف سياسي ومدني هام، خذلهم للأسف في تقديرنا رئيس الجمهورية بسبب حساباته الخاصة التي قد يكون يراها في إعادة المياه إلى مجاريها مع صديقه اللدود راشد الغنوشي، لذلك قبل مبدئيا بمجرد وساطة من قبل الابن الضال للحركة

إن رئيس الجمهورية ليس على عجل من أمره على ما يبدو وهو مقر العزم على الذهاب بالأوضاع وبالأزمة المركبة في البلاد الى المنتهى لتحقيق أهداف الانفجار الثوري في تغيير النظام السياسي ونظام الاقتراع على الأفراد بقطع النظر عن الكلفة على البلاد والعباد

والقبول اليوم بحوار مع الغنوشي بعد قطيعة دامت قرابة العام لم يلتقه خلاله إلا في مناسبات بروتوكولية محدودة، يعكس عمق الفجوة بين انتظارات التونسيين من جهة ونوايا وبرامج أولي الأمر في تونس من جهة أخرى

هي جرعة اوكسيجين لمنظومة الحكم فقط، لا غير، ستستفيد منها النهضة أكثر من غيرها من الأطراف كما يقال رغم إقدام بعض أبناء الحركة على مهاجمة رئيس الجمهورية وشيطنة الأمين العام للاتحاد مثلما فعل القيادي الشاب محمد خليل البرعومي أوالتحفظ على الوسيط لطفي زيتون كما سجلنا في تفاعل القيادي عبد اللطيف المكي

وتمادى قلب تونس في غضون ذلك في المناورة والزعم بأنه لم يفوّض أحدا للحديث مع الرئيس ولا غرابة أن يثمّن نفس الحزب في قادم الأيام ما سيحققه حليفه رئيس النهضة من مكاسب تماما مثل جماعة ائتلاف الكرامة

وسيستفيد رئيس الحكومة من جرعة الاوكسجين بدوره رغم أن مصيره ليس بيده لذلك يبدو أنه تلقّف الرسالة وجاهر أول أمس – أسوة بسلفه- بأنه لن يستقيل في الوقت الحاضر من باب المسؤولية وهو في المحصلة لن يخسر شيئا في انتظار ما سينبثق عن حوار ساكني قرطاج وباردو إذا التقيا بالفعل وتوافقا واتفقا

بقي أن من هو بصدد دفع الفواتير سيواصل دفعها وسيستمر النزيف وتتفاقم معاناة الناس وهي معاناة ليست على رأس جدول أعمال أصحاب القصور الحاكمة التي لم تعد صامتة ومن يدري إلى متى ستظل صامدة؟

وحتى الانتخابات المبكرة التي يسوق لها البعض تبقى بمثابة الخديعة إن تم تنفيذها بنفس المعادلات القائمة قبل اصلاح الهيئة المشرفة على الانتخابات وقبل بيان الحقيقة التي فجّرتها محكمة المحاسبات وقبل ضبط المال السياسي والصفحات المشبوهة والإعلام الموجّه والقوانين المقيّدة أو بالعكس السامحة للانفلات على جميع الأصعدة التي تضرب في العمق النزاهة والشفافية والحرية والديمقراطية في نهاية المطاف

بقلم: مراد علالة