فَإلى جَنّةِ الخُلْدِ يا أبا حافِظْ

لقد عمل السيّد حافظ قائد السّبسي جاهدًا على أن يكون وريثا لأبيه على رأس حزب نداء تونس، ذلك الحزب الذي أعطاه التونسيون في 2014 صكّا على بياض في السّلطات الثلاث الرئاسيّة و التشريعيّة و التّنفيذيّة على أن يزيح الإسلاميين من سدّة الحكم. و لم يفلح حافظ قائد السّبسي في المحافظة على وحدة الحزب و لم ينفعه سند والده شيخ السياسيين و رئيس الدّولة، بل إنّ أصابع الاتّهام متوجّهة إليه في تشرذم الحزب نحو الزوال. غير أنّ الأحداث و ظروف وفاة الرئيس الباجي و ساعة حضور الموت حوّلت الباجي إلى زعيم وطني حزن العالم على فراقه و فقد فيه أبا و قائدا و دبلوماسيّا محنّكا. و لم يخف على المواكبين لمراسم التّأبين و الدّفن أنّ حافظ ابن الرئيس كان منتفعا انتفاعا سياسيّا غير مباشر من تعظيم النّاس و الكاميرا لوالده من باب أنّ ذلك الشبل من ذاك الأسدو لكنّ شكلا من أشكال الانتفاع السياسي المباشر قد ذاق حافظ دون شكّ حلاوته، جاء على لسان عبّاس أبي مازن الذي ختم تأبينه للباجي في قصر قرطاج و على المباشر على رؤوس الملأ و عبر قنوات الاتّصال التلفزيّة و الإذاعيّة و غيرها بقوله : « فإلى جنّة الخلد يا أبا حافظ » و تحوّلت الكاميرا إلى حافظ و كنتُ مشاهدا تلفزيّا و بدا لي أنّ موجة كهربائيّة خفيفة قد سرت في الجوّ و فعلت في الآذان الصّاغية و العيون المشرئبّة. فكيف لنا أن نقرأ استخدام أبي مازن لهذه الكنية علما بأنّها من الخطاب المكتوب المعدّ إعدادا مسبّقا و ليست من ارتجال اللحظة و علما بأنّ أبا مازن عالم بالأوضاع السياسيّة في تونس
و الحقّ أنّنا في صميم تحليل الخطاب و أنّ قراءتين على الأقلّ تتبادران إلى الذّهن
أمّا القراءة الأولى فتستند إلى مفهوم الكنية في الاستعمال العربيّ و في الاستعمال المشرقي الذي يختلف عن الاستعمال عندنا في تونس. فنجد، دون الخوض في قضايا اللغة، أنّ الكنية أسلوب من أساليب تعظيم المكنَّى وهو هنا المرحوم الباجي. و يتمثّل تعظيمه في أبوّته للذكور على الخصوص بما في الأبوّة من معاني الخلفة و العشيرة و المحبّة و القيادة الخ…و الكنية أسلوب مشرقيّ دارج في المشرق، وهو في سياق النضال السياسيّ الذي عرفه الفلسطينيون خاصّة شكل من أشكال التّقيّة و التّخفّي و قد عرفنا مثلا أبا عمّار (ياسر عرفات) و أبا إيّاد (صلاح خلف) و أبا جهاد (خليل الوزير) و هذا أبو مازن. و تكون الكنية لابن غير حقيقيّ مثل أبي عمّار و لكنّها تكون لابن حقيقيّ و قد لا يكون، بالضرورة، الابن الأكبر بل الابن الأفضل، و لكنّه يكون، في الكثير من الأحيان، الابن الذكر الأكبر و كذلك الأمر مع الباجي أبي حافظ. و مع هذه القراءة الأولى يكون القصد من الكناية على لسان أبي مازن تعظيما لشخص الباجي و تنويها بخصاله فقط ليس إلاّ
أمّا القراءة الثانية فتعترف بالأولى في سياق تأبينيّ و لكنّها تؤوّل هذه الكنية في سياقها السياسي خاصّة. فـ »أبو حافظ » تستحضر الباجي و لكنّها تستحضر حافظ و تركّز عليه و تضفي عليه من الإيجابيات ما تضفيه على أبيه و لعلّ هذه الكنية تضعهما في مقام واحد بل هي تقدّم حافظ على الباجي ما دام الباجي مغادرا بل هي تعني أنّ الباجي لم يمت ما دام حافظ خليفة له. و هل يمكن أن تقتصر خلافة حافظ على العائلة الضيّقة في مثل الأوضاع التّي نعرفها. أ تكون الكناية التّي استعملها أبو مازن سندا سيّاسيّا لحافظ هو في أمسّ الحاجة إليه؟ ألا يخشى أبو مازن أن يُتّهم بالتدخّل في شأن داخليّ؟
و لو اتّهمتَه لوجدَ في القراءة الأولى البريئة مخرجا يرفع عنه التّهمة و كذلك هي بلاغة الخطاب فإنّك تظفر منه بما تريد و لكنّك، في الوقت نفسه، واجد فيه ما لا تريد

الدكتور الهادي جطلاوي