فهنيئا لكم بهذا الذي اصطَفَيْتُمُوهُ سلطانا يقول لكم ما لا تفهمون

نص مفيد 
كاتبته كانت طالبة من طلبة قيس سعيد لكنها لا تجامل و لا تعادي و لا تُؤلِّه

من يكون قيس سعيد ؟

هذا نص كتبته الاستاذة الباحثة هدى بن عبد الجليل وقد كنت درستها في كلية الآداب بسوسة مادة الحضارة واني سعيد جدا انها بخلاف بعض الببغاوات تكتب نصا نقديا وتفحم به مدرس القانون الدستوري ، شكرا هدى واني فخور اني علمت جيلا التفكير العقلاني الحر

« هو مدرس القانون الدستوري الذي أمضى فترة تفوق الثلاثين سنة يدرّس قوانين مستمدّة من شرائع انسانية لا علاقة للإله بها ، و ما إن أحيل على شرف المهنة و سئل عن رأيه في مشروع قانون يمنح المرأة حقّ المساواة في الإرث حتى قال إنه يلتزم ما أقرّته الشريعة الإسلامية متجاهلا ما كان يعلّمه لطلبته من قوانين دستورية سنّها البشر دون سواهم ، قال هذا مسندا ظهره إلى الغيب مستندا إلى ما قال الإله أو من تكلّم على لسان الإله . فهل كان يدرّس الطلبة غير ما كان يؤمن به و غير ما كان يبوح به في سرّه ؟ و هو إلى ذلك مدرس القانون الذي علّم طلبته الدقّة في القول و الاختصار في العبارة و أمضى العمر يقول إن صياغة القانون أبعد ما تكون عن السفسطة و اللّغو و الحشو اللّغويين وأبعد ما تكون عن الاستعارات ، و هو الذي علّم طلبته أنّ البلاغة في الإيجاز ، فإذا به رئيسا للدولة يهذي بما لا يفقهه الداني و القاصي، و يثرثر حيث يجب أن يوجز و ينشئ طلاسم و ألغازا يصوغها بغريب اللفظ و هجين العبارة و بحشو يزيد من اللّبس و الغموض ، و هو إذ يلغز في أقواله يغفل أنّ لكلّ مقام مقالا ، و في كلّ مقام لا يفتأ يحكي أقوال الغابرين متغاضيا عن أحوال القائمين المعاصرين . و هو إلى ذلك الأكاديميّ الذي دأب على أن يعلّم الصبية أنّ المعرفة من جملة ما تبنى عليه التثبّت حيث وجب ، و توثيق المعلومات توثيقا لا يجعلها تصرف كيفما اتفق ، و أكاديميا ، دأب أيضا على تدريب طلبته بأنّ ما فات فات ، و بأنّ المعرفة أساسها التراكم ، و هذا لا يحصل بنسف ما مضى جملة و لكن بهدم ما ثبت بطلانه و إعادة البناء على أساس من التعقّل و البرهنة ، و هاهو رئيسا للدولة يقصّ حكايات يلبسها ثوب الحقيقة فيتبيّن لك إيمانه بالخرافات و الأساطير ، فتراه وثوقيّا لا ينكر شيئا ، و لا يقف عند شيء أبدا ، يمجّد الماضي و التاريخ و يصطفي من الرجال الماضين نازعا عنهم ثوب الدنس كاسيا إياهم زيّ القداسة ، فكأنّ التاريخ وقف عليهم دون سواهم ، و من سواهم من البشر يتحدّث عنهم و هو الرئيس المنتخب بضمير الغائب دائما … كلّ ما وضح من قوله عنهم تهديد و وعيد أو سخط شديد . و هو إلى ذلك رئيس لدولة نظامها جمهوريّ ، قوانينها و مؤسساتها مدنية صرف ، يخطب في الناس جاعلا إياهم رعية تابعة خاضعة و مطيعة ضاربا عرض الحائط الدستور الذي أقسم على احترامه ، و ناسفا ما كان يتحدّث عنه إلى طلبته في الجامعة من مفاهيم المواطنة و المدنية و أنظمة الحكم الجمهوري و مقتضياتها ، وناسفا أيضا التاريخ كلّه ، صارخا بألاّ عدل إلاّ ما انطوى تحت راية الخلافة ، حيث الحاكم ظلّ الإله في الإرض ، الآمر و الناهي في الرعية … و هو على كلّ حال ينسف عمرا أمضاه ، هو، في تعليم الصبية بألاّ شريعة سوى ما يسنّه البشر أنفسهم ليعيشوا معا وبأنّه محال أن يتحقّق عقد اجتماعيّ إذا أقيم على ما يمليه الكهنوت و ما تقوله المعابد و حرّاسها
و هو إلى ذلك الرئيس المنتخب ، انتخبه شباب لا يقرأ ، و لو قرأ ، إن قرأ ، لا يفهم ، لا يعنيه التحصيل العلميّ ، و آخر ما قد يخطر بباله أن يكون متعلّما ، و يسخر ممّن ينكبّ على الدرس و يجعله أضحوكة ، لا دراية له بالتاريخ و لا الجغرافيا ، يهزأ من الفكر و أهله ،ساذج ، لا تعنيه الفلسفة و ليس التفلسف من صفاته ، الحرية في رأيه أن يتساوى في المرتبة مع من هم أسمى منه مرتبة ، و لا مرتبة في نظره لأحد ، كثير الهرج و الكلام ، يتكلّم دونما تقيّد بضابط ، و هذا في ظنّه عين التحرّر ، شباب لا يستقيم عنده التاريخ و لا يستحي إذ يقول إنّ عليه قتل الأب قتلا ، و إنّ الماضي ، كلّه خراب في خراب … يخالطه الحنين إلى تاريخ الغابرين حيث الخليفة و جواريه و حيث عصا السلطان تأتمر بما تمليه شريعة مقدّسة تهين المرأة و تجعلها ملكة و لكن في بيت زوجها تخدم و تطيع و بذا وحده  » تصلح  » ، و يخالجه أيضا شوق إلى الغالب ، يقتدي به في ما تيسّر من شؤون الحياة و زينتها المادية و بهرجها الظاهر ، غير أنّه يعتقد اعتقادا أنّ هذا الغالب كافر مارق ، دياره غنيمة لمن أسلم و سلّم بالولاء و الطاعة للشريعة 
إلى هذا الشباب اصطفت نخبة من الأكاديميين و المثقفين الذين أرهقتهم سنوات من الحكم كفروا بها بعد ما تهيأ لهم أنهم شهدوا ثورة مباركة ، فتحلّوا بزيّ من الطهرانية و النقاء و رموا كلّ من خالفهم بالتبعية لنظام بائد ، فكانوا ثوّرا أشاوس يحملون لواء الثورة و الطهر و دعوا إلى اصطفاء  » النظيف  » النقيّ الطاهر ، و تغافلوا عن الكفاءة و ما عليه تقدر و تجاهلوا بأنّ الأوطان يسودها المقتدر الكفء من الناس . و غاب عنهم أنّ الدولة استمرار لما مضى من مستقيم الفعل فرموا ضرب الكيان و زلزلة الأركان و تقويض كلّ ما كان و قالوا إنّهم الثوّار ، و هاهم يصارعون الريح شططا ، يهزأ بهم التاريخ و يمرّ غير عابئ بهم 
فهنيئا لهم بهذا الذي اصطفوه سلطانا يقول لهم ما لا يفهمون و يجعلهم في كلّ حال يختصمون و يخاصمون ، و هم في الحالين رعية يسوسها أمير أخرق