عن المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي لاتحاد الشغل: « مؤتمر » في غير محلّه وفي غير توقيته

صحيح أن جدول أعمال « مؤتمر سوسة » دسم وفيه مسائل ونقاط مهمة سواء بالنسبة الى المنظمة الشغيلة أو لعموم* الشعب والبلاد لكن كل هذا لا يبرّر الحرص على إنجازه بهذه اللهفة والأغرب من ذلك تبسيط وتمييع مسألة مراجعة القانون الاساسي وتحديدا فصله الـ20 وفتح باب « القيادة مدى الحياة » بحجج قابلة للنقاش

* لا نريد أن يتحول الحق الى باطل وأن يصبح الأمر برمته « بيعة » فالاتحاد يزخر بمشاريع القادة وهو يقدم اليوم دروسا في التداول على المسؤولية ويبادر بالحوارات الوطنية علاوة على أن حجة الاستمرارية والخوف من « التجديد الكلي » في غير محله بما أن الديمقراطية قد تفضي إلى سقوط « القائمة « الرسمية » مثلا

*******

تحصلت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل على موافقة السلطات الصحية لعقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي يومي الخميس والجمعة 8 و9 جويلية 2021 بسوسة وطمأنتنا بأن المؤتمر سينعقد وسط إجراءات صحية مشدّدة وان قرابة نصف النواب قد تلقوا بعد التلقيح في إطار الأولويات التي وضعتها لجنة قيادة الحملة الوطنية للتلقيح.
وسيكون على المؤتمرين وفق القيادة دائما الالتزام ببروتوكول صحي صارم وإجراءات صارمة تستوجب الاستظهار بتحليل سلبي قبل الحضور إلى المؤتمر فضلا عن إخضاع الجميع إلى تحاليل سريعة قبل دخول النزل وعند الخروج منه في نهاية الأشغال إضافة إلى منع خروج المؤتمرين لمدة يوميْن وإجبارهم على لبس الكمامة والتباعد الجسدي خاصة وان القاعة المخصصة للمؤتمر تتجاوز طاقة استيعابها 2500 شخص في حين أن عدد نواب المؤتمر لا يزيد عن 580 شخصا 

وبشرتنا القيادة أيضا بتكوين لجنة طبية تضم عددا من الأطباء والممرضين ستتابع عن قرب مدى الالتزام بالإجراءات الصحية بما يضمن شروط النجاح والصحة والسلامة لكل النواب والحاضرين بمن فيهم الصحافيين وهو ما يعني أن عدد الحضور سيتجاوز الـ580 شخصا كما قيل

وكما هو معلوم فإن هذا « المؤتمر » يأتي تفعيلا لقرارات المجلس الوطني للاتحاد الذي انعقد في شهر أوت من السنة الماضية وحدّد يومي 26 و27 اكتوبر الماضي تاريخا للانجاز غير أن الإكراهات الصحية فرضت الترحيل الى هذا الموعد الجديد الذي لم يعد بمقدور القيادة تأجيله لأن ذلك يضعها خارج الزمن القانوني لتفعيل المخرجات وتحديدا النقطة المتعلقة بالتمديد وتحوير الفصل 20 من القانون الاساسي للمنظمة الشغيلة قبل أقل من نصف سنة من موعد المؤتمر الانتخابي مطلع 2022

المهم، هذه المقدّمة المطولة جدا وعمدا، توضح بما لا يدع مجالا للشكّ أن « مؤتمر سوسة غير الانتخابي » هو مؤتمر « استثنائي » ومؤتمر للبت في أمر جلل يستوجب الحصول على « امتياز » الموافقة الصحية الاستثنائية من السلطة، أجل من السلطة، أي أن الأمر يتعلق بمسألة حيوية وحياتية لا تحتمل التأجيل، فهل نحن فعلا أمام وضع لا خيار فيه سوى كسر الحجر الصحي والهرولة لعقد مؤتمر مثير للجدل؟

لقد قال الزعيم المؤسس فرحات حشاد ذات يوم « أحبّك يا شعب » ونحن بدورنا نحبّك يا اتحاد ومثلما لا نرى في مهامك ودورك فصلا بين ما هو سياسي وطني واجتماعي لا نرى أنفسنا محايدين وغير معنيين بحبّك والحفاظ عليك باعتبارك خيمة التونسيين التي ناضلت فيها ومن أجلها أجيال وأجيال وكان لنا شرف الإسهام ولو بالنزر القليل في الدفاع عن أعمدتها كي لا تترنّح وتميل ذات اليمين أو ذات الشمال فتقع في قبضة الانتهازيين وخدمة السلطة والمتاجرين بمصالح العاملين بالفكر والساعد

صحيح أن جدول أعمال « مؤتمر سوسة » دسم وفيه مسائل ونقاط مهمة سواء بالنسبة الى المنظمة الشغيلة أو لعموم الشعب والبلاد بما أنه سيُقيّم مدى تفاعل القوى الوطنية مع مبادرة الحوار الوطني التي طرحها الاتحاد ولم تحرز تقدما بسبب احتدام الأزمة السياسية وسينظر في التقريرين الادبي والمالي الى جانب « قضايا كبرى.. بعيدا عن ضغوطات الترشحات والانتخابات والتصويت ليكون النقاش هادئا ورصينا وغير خاضع للتأثيرات الانتخابية » وفق القيادة، لكن كل هذا لا يبرّر الحرص على إنجاز المؤتمر بهذه اللهفة والأغرب من ذلك تبسيط وتمييع مسألة مراجعة القانون الاساسي وتحديدا فصله الـ20 بشكل يتم فيه التراجع عن مراكمة الولايات الانتخابية التي حسمها نقابيون فيهم من هو اليوم في القيادة، وفتح باب « القيادة مدى الحياة » بحجج قابلة للنقاش والايهام فوق كل ذلك بـ »نضالات » و »انتصارات » فجئية وصور تذكارية في قطاعات دون أخرى دون الاكتراث بالأصوات الغاضبة التي تعارض مؤتمر سوسة ولن تقف معارضتها عند هذا الحد وهو أمر مشروع رغم أننا قد نختلف في أشكال المعارضة

إن القانون الاساسي لأي نقابة أو حزب أو جمعية او غيرها من الكيانات المدنية والسياسية ليس نصا مقدسا بل نص إنساني قابل للتعديل والمراجعة وفي حال الاتحاد ثمة صراحة كثير من المسائل القابلة للمراجعة في القانون الاساسي والنظام الداخلي من أجل إصلاح الأخطاء وتطوير الأداء وتفعيل الهياكل ودمقرطة القرار والانفتاح على الطاقات المناضلة في الجهات والقطاعات وتوسيع الانخراطات وتصليب القاعدة العمالية، فزحمة الأحداث خصوصا بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة فتحت الباب للانفلات النقابي صراحة وضعف التكوين والتثقيف النقابي وكذلك البحوث والدراسات وكان انفلاتا تعاملت معه القيادة بحسابات خاطئة في تقديرنا في سياق الضغوط والإكرهات ومحاولات ضرب المنظمة من الداخل والخارج على حد السواء من ذلك رفع سقف المطلبية وتشجيع التعددية النقابية وغيرها من وسائل إنهاك وضرب الاتحاد وشيطنته

هو حق إذن لا نريد أن يتحول الى باطل وأن يصبح الأمر برمته « بيعة » تسمح لعدد من « القادة » في المكب التنفيذي للظفر بولاية ثالثة أي البقاء 15 سنة بالتمام والكمال في القيادة مهما تكن المبررات فالاتحاد يزخر بمشاريع القادة في الجامعات والقطاعات والاتحادات الجهوية، والاتحاد يقدم اليوم دروسا للوطن والعالم في مسألة التداول على المسؤولية ويبادر بالحوارات الوطنية وفي هذا الاتجاه وبمثل هذه الخطوة سيتم نسف الشرعية والمشروعية مستقبلا في إثارة هذا الموضوع مع من يضطلع بأعباء الحكم، علاوة على أن حجة الاستمرارية والخوف على المنظمة من « التجديد الكلي » هو في غير محله بما أن الديمقراطية نظريا قد تفضي الى سقوط « القائمة « الرسمية » مثلا وصعود قائمة منافسة برمتها أو بالأغلبية فكيف سنقطع الطريق أمامهم وهل سعني ذلك نهاية المنظمة؟

لقد رحل الحبيب عاشور واسماعيل السحباني وعبد السلام جراد وحسين العباسي وكثيرون من قادة الصف الأول كما يقال، وتأثر الاتحاد بخروجهم نسبيا، لكنه لم يتوقف عن تأدية رسالته ولا يزال إلى حدود الساعة خيمة التونسيين التي لا يجوز ولا يُعقل أن يستحوذ أي كان على أعمدتها ويجرّها نحوه فالنتيجة ستكون معلومة وهي سقوط الخيمة على رؤوس الجميع وهو ما نخشاه ولا نريده ولن نقبله في مؤتمر هو في نهاية المطاف في غير محلّه بكل المقاييس الصحية والنقابية والسياسية والتاريخية والنضالية والإنسانية والاجتماعية

بقلم : مراد علالة