طَمسُ خَلفيةِ الصراعات، إصرارٌ على مُواصلتِهَا لأهدافٍ مُعاديةٍ للوطن

بين من صدَّق أن الإغلاق الشامل الجديد بأربعة أيام الذي قررته اللجنة العلمية المكلفة بمتابعة ودرس تطورات إستفحال إنتشار وباء « كوفيد

19″ في المجتمع، وصادقت عليه وزارة الصحة والحكومة، هو إغلاقٌ فرضه بلوغُ إنتشارِ العدوى، وما تخلفه من خسائر بشرية وإصاباتٍ عالية، حدّاً مُفزعا يتطلب إجراءً سريعا لمحاصرته، وبين من يراه تِعلةً للتوَقِّي من حدوث تحركاتٍ إجتماعية في يوم الذكرى العاشرة لهبّة 17/14. تحركات كان يُخشى من إحتمال خروجها عن السيطرة، بالنظر لكَمِّ الإحتقان الشعبي العالي والمتراكم من خيبات الشعب المُتتالية في حكام البلد المتعاقبين منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم. ودليل هؤلاء على هذا الرأي ما شاهده المواطنون من تجمهر في شارع الحبيب بورقيبة يوم الخميس الماضي، أي يوم تلك الذكرى، تقدمته جموعُ « شهداء وجرحى » الثورة. وكذلك ما جدّ في القصرين من إقتحام مُعتصمي الدولاب في القصرين للمؤسسة النفطية هناك، وسط إشعال النار في الإطارات المطاطية وجذوع الأشجار. واللافت أن من الشعارات التي رُفعت خاصة في حراك شارع الحبيب بورقيبة، واحداً يصف رئيس الحكومة بأقذر الأوصاف « ّمشيشي يا …. الشهيد لا يُهان »، والحال أن ملف أولئك الشهداء والجرحى مطروح على جميع الحكومات المتعاقبة منذ 2012، ولم يتزحزح قيد أنملة وخضع بدوره، ومازال، لمراهنات ومناورات وحسابات يطول الحديث بشأنها

فلمَ إذن تم حشرُ إسم رئيس الحكومة بذلك الشكل في ذلك الحراك؟ والأهم، من له المصلحة في الإيقاع بالرجل برغم تضحيته بثقة الرئيس وإرتمائه في أحضان حركة النهضة، طاحنةِ الملتحقين بركبها ومفرقةِ شمل أحزابهم وكتلهم بعد قضاء حاجتها منهم؟ ألا يكونون من الذين رفضوا في البداية فكرة حكومة التكنوقراط ثم عادوا للمصادقة عليها لتحزيمها أو لتقييدها باشتراطات فيها المعلَن وفيها المخفي مع اختلاق أي فرصة لتحميلها ورئيسها وزرَ الإخفاقات والإنحرافات والخطايا السابقة سواء بصفة مباشرة أو بالهمز وباللمز

نأتي بعد هذا إلى الموضوع السابق لتلك الذكرى ولما رافقها من إغلاقٍ ومن حراك، ونعني به ذلك الجدل المراوح بين السخونة والمخادعة والمرونة حول ما أُطلق عليه الحوار الوطني والمتجسد بالذات في المبادرة التي أطلقها الإتحاد العام التونسي للشغل بموافقة إتحاد الصناعة والتجارة أساسا، ورابطة الدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين، في حنين لرباعي الحوار الحائز على جائزة نوبل. وإن كان الزمن غير الزمن والظروف غير الظروف. كما إن مسألة تأييد هذه الأطراف لتلك المبادرة أو المشاركة فيها لم يتأكدا رسميا من جانبها 
على كل، طال وتمطط الحديث عن ذلك الحوار الوطني بين مؤيدٍ بشروط وبين رافضٍ لعدم توفر مقومات نجاحه
الرافضون لهذا الحوار يرتكزون في رفضهم على شكِّهم، إما في نوايا المنادين به حتى يخدم مصالحهم، والمقصود هنا بالتحديد، المنظمة الشغيلة ورئيس الدولة. أو في صدق نية القابلين به بقبول مخرجاته، والمعنيون بهذأ، حركة النهضة بالأساس وحلفاؤها

ويتقدم هذا الفريقَ الرافض الحزبُ الدستوري الحر المعارض لحركة النهضة على إعتبارها تابعة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وعلى اعتبار أن أيدي قيادتها وأجنحتها ملطخة بدماء التونسيين وأن جيوبهم وبطونهم منتفخة بأموالهم وأموال دولتهم، الأمر الذي أوصل البلاد إلى حالة الفقر والتسول التي هي تتخبط فيها الآن. وبالتالي، يرى هذا الفريق أنه لا يمكن التصديق بأن قيادة هذه الحركة صادقةُ النية في العمل بما يتمخض عن هذا الحوار من قرارات

وللحقيقة، وعلى الضفة المقابلة يريح موقف الرفض هذا حركة النهضة قبل غيرها، وحتى كتلاً أخرى موصوفة بالديمقراطية لأنها جميعها ترى في الحزب الدستوري الحر فصيلا سياسيا سليلا للتجمع الدستوري الديمقراطي الذي تم حله بحكم قضائي في 2011، وفي رئيسته عبير موسي، مسماراً يغور كل يومٍ أكثر في جسم « المسار الثوري » إذا لم يقع قلعه في أسرع الأوقات، خاصة وهي « مصرةٌ على اعتبار ماحدث في 14 جانفي 2011 إنقلابا على الرئيس السابق، وعلى نظامه » ولم : تعترف هكذا بالثورة . كما لم تقدم إعتذارا للشعب عما ارتكبه النظام السابق للثورة من جرائم

أما الداعون إلى الحوار والقابلون به، فيُقرنونه بشروطٍ علَّ أبرزها يتمثل في عدم إشراك من تلاحقهم شبهات فساد فيه. والمقصود هنا « حزب قلب تونس » ورئيسه، وإن كان الفيتو عليه يظهر أنه نابع من رئيس الدولة وربما يقف عنده. وكذلك من يلاحقهم ماضٍ وحاضرٌ من ممارساتِ عنفٍ وخروجٍ عن القانون، سواء خارج البرلمان أو حتى داخله، والمعني بهذا المنع هو « إئتلاف الكرامة ». ويمسك بورقة هذا الفيتو كل من رئيس الدولة والمنظمة الشغيلة. وإن كان هذا الأخير يراوح بين الإفصاح الصريح عن موقفه وبين السكوت. أما الإشتراط الثالث فهو عدم مشاركة الحزب الدستوري الحر. وإن كان البعض يغلّف هذا الموقف بالتصريح بأن « لا إقصاء عن المشاركة في هذا الحوار إلا من يقصى نفسه »، ارتكازا في ذلك على رفض حزب الدستوري الحر المشاركة فيه للأسباب المذكورة قبل قليل. وأخيرا وفي باب المناورة بين الفرقاء، وبعد أن طلب رئيس الدولة عقد إجتماع تمهيدي لضبط آليات وأهداف ذلك الحوار، وإدماج الشباب في كوكبة المشاركين فيه، إشترط رئيس حركة النهضة ومجلسِ النواب، لَمّا زاره أمين عام الإتحاد العام التونسي للشغل ونقل إليه المبادرة وموقفَ الرئيس، إشترط أن تتم مشاركة الشباب عبر أُطُرِهم المهيْكَلة. والمعروف هنا أن لحركة النهضة حضورا مُهما في هياكل الشباب تلك المتنوعة، وخاصة على المستوى الجامعي. بينما شباب الرئيس غيرُ معلومي التموقع المضبوط لحد الآن، وعلى الأقل على المستوى الرسمي

وإزاء كل هذا التشتت لحد التناقض في النوايا والمواقف من مختلف الفرقاء السياسيين، هل يُنتظر لهذا الحوار أن يتم؟ وإذا تمَّ، هل يُرجى منه قراراتٌ ذاتُ قيمة وفائدة على البلاد من حيث تحصينُ مسارِها الديمقراطي؟ مثل ضبط آلياتٍ مُحددة لإتمام تركيز الهيئات الدستورية التي طال إنتظارها، مع ضمان إستقلالية أعضائها عن كل الأحزاب، وبتعديل النظام الإنتخابي والنظام السياسي

كما إنه من المهم الإتفاقِ على خارطةِ طريقٍ مُلزِمةِ التنفيذ بآجالٍ مضبوطة لإقتلاع جذور الإرهاب ومحاكمة آلاف القابعين في السجن من مرتكبيه، ليطمئن الشعب على حياته وعلى مستقبل أبنائه وبناته، وبملاحقة الفاسدين وإسترجاع الأموال المنهوبة وفرض عدالة جبائية ومحاسبة المتهربين منها، والوقوف في وجه المهربين والضالعين في الإقتصاد الموازي مع إيجاد حل قانوني بديل يستوعبهم. على أن تُضمَّن كلُ بنود الإتفاق في وثيقةٍ يصادق عليها مجلس النواب ويُشهَد الشعبُ عليها

هل كل ذلك أو جزء مهم منه ممكنُ الحدوث؟؟ شخصيا لا أعتقد ذلك !. وبالتالي، على حكماء البلد عندها البحثُ عاجلا عن مخرجٍ ناجع لإنقاذ الوطن والدولة من سقوطٍ مُدوٍّ وشيك، حَبَّ من حَبَّ وكَرِهَ مَنْ كَرِهْ 

بقلم خديجة معلة