شَطِّبْ وشَطِّبْ و شَطِّبْ

صحّة شريبتكم

قرّرت التسوّق هذا الصباح، ما بقي في المطبخ شيء يشجّعني على الحظر الصحّيّ، فحتّى الثلاجة قطعت عنها الكهرباء لخوائها ودموها تتهاطل من كلّ صوب وحدب. اِمتطيتُ درّاجة قديمة عوض السيارة حذر ترخيص لا أملكه
اِستوقفني في مفترق الطريق عون أمن، سلّم فسلّمت، وأعلمني أنّي حارق للحظر الصحّيّ، تلمّست لحيتي الجديدة عمدا، وربّتُّ على شعري الطويل أغمز إلى آثار الحظر، ما اكترث لي، فسّرتُ له الحالَ، ومددت له ورقة أمَلا في إقناعه، نظر فيها مستغربا، وضعها على مقدّم السيارة وسحب قلما وبدأ في قراءتها بصوت مسموع وحماسة غير منتظرة
 » الحاجة الأولى زيت زيتونة، نسيت يا سيّد أنّ زيت الزيتونة موش متاعنا »، وهبَط على الورقة بقلمه يشطبه، ثمّ قال:  » – عظم، بلاتو كامل ؟ ! هو الرئيس تمتّع بعظمة وحدة ؟ ! شطِّب. – الفرينة، مقطوعة رغم أنها ملك الشعب، السميد كيف كيف، شطِّب. – الحمص، صاحبه غادر الرئاسة من زمان، شطّب. – المقرونة فاسدة بطبيعتها، شطِّب
كنت أنظر إلى العون في دهشة وقد تأكّدتُ أنّ تعب الشغل قد أثّر فيه، فعرق يتصبّب من جبينه، ورعشة تظهر من حركة القلم بيده، واصل قراءة الورقة ودرّاجتي في وقفة اعوجاج لا تحرّك ساكنا:  » – تن وسردينة وهريسة، واضح هذي للكسكروتات، في بالي نجيب طلّق السياسة من زمان، شطِّب ». – لحم علّوش، اللهمّ لحم الرحمة من نعاج الجزيري، شطّب
حاولت أن أستوقفه دون جدوى، كان يطوي الورقة طيّا في إيقاع كدت أردّده معه لولا أملي في استبقاء شيء منها:  » – روز وفاكية، الله الله، صار أنت من جماعة اعتصام باردو؟ ! شطّب. – شكوطوم زادة، اللهمّ صلّ على النبي، أنت من الجماعة ؟ ! شطِّب. – عسل حر، وأنت تفرّق بين الحر والمغشوش ؟ ! شطّب. – ثوم وبصل، في بالك هذي خلطة ضد الكرونة؟ ! فيروس جاي من الصين بلاد الشيوعيّة، لونك أحمر أنت؟ ! شطِّب
ما إن وصل إلى الدجاجة حتّى كدت أستجديه بأنّها خطّ أحمر، سارع بالشطب يخبرني في هذيان:  » الدجاجة تذكّر بالعظمة، وبالريش، وهي كبقيّة المواد، « ماهيش على راسها ريشة، وإلاّ أنت متأثّر برئيس الحكومة السابق، بعد حكمه اشتهى ربع دجاج، شطّب
ما استبقى في الورقة شيّا، حتّى حفْنة ملح لا، اِعتبر الملح من متاع الجماعة، ليس لي الحقّ فيه، صارت الورقة خربشات تشبه رسْما غرافتيّا حزينا وأنا لا أفهم ما يجري، اِلتفتَ إليّ يعلمني بالعودة الإجبارية إلى المنزل، وبأنّ « قضْيتي » مشبوهة ومسيّسة تهدّد الأمن الوطني
عدت أدراجي لآتي طريقا أخرى إلى المغازة وقد تأكّدت أنّ العون مكورن لا ريب في ذلك، فما أتاه هو قطعا بفعل حرارة مرتفعة، وأحمد الله على سلامتي منه، فقد كنت واضعا كمامة حلالا لا علاقة لها بوزارة الصناعة، ولم يصادق عليها البرلمان

توفيق العلوي