حين يَبْكِي الكلْبُ سيِّدَه

سافر ساكن قرطاج إلى باجة الأبية لتقديم التعازي إلى السلطان أطال الله عمره وعمر من بايعه ومن والاه ومن جاءه باجة وعزّاه…وزار ساكن القصبة باجة الأبية وقدّم التعازي إلى مولانا وتاج راسنا وقبّل يده طالبا من الله أن يكون الخلود من نصيب السلطان دون مؤتمر ولا بيعة وأن يقع تعديل الفصل 20 من قانون الحياة والخلود حتى يعيش مولانا إلى يوم القيامة ويعبر الصراط بالسلامة…وزار الوزير الفلاني والفلتاني وصاحب الوزير وعشيقة الوزير ووالد عشيقة الوزير ….كما صاحبهم كاتب الوزير والمدير العام والمدير وكاتب المدير والغفير وسعادة السفير وزوجة السفير وحاجب المدير وسائق عشيقة السفير…ورافقهم العمدة وصاحب العمدة وشقيق شقيق العمدة من عشيقة العمدة …والتحق بهم الوالي والمعتمد وعائلته وعائلة أصهاره ووالي الولاة وصاحب الطابع وأغرقوا باجة الأبية دموعا وبكاء وعويلا…وقبّلوا يد مولاهم ومولانا ومولى السفير والوزير والغفير…وطبعوا قبلة على جبين السلطان…وغادروا المكان يندبون يلطمون يطالبون بتعديل الفصل 20 من أجل أن يعيش مولانا إلى يوم الدين 

وانقطعت كل خطوط الهاتف بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب بسبب ضغط التعازي لمولانا وتاج رأسنا…وفي مكان آخر من هذا الوطن رجل طاعن في السنّ يقف على بعد مسافة مائة متر من جثمان ابنه الذي مات بالوباء في خدمة وطنه يشاهد جثمانه يوارى الثرى ويغيب تحت تراب وطن لم يرعاه…ولم يعلم السلطان ولا ساكن قرطاج ولا ساكن باردو ولا عمال معامل الطحين بموت المسكين… ولم يمسحوا دمعة واحدة من دموع والده ولم يذكر خبر موت المسكين في الإذاعات ولا في شريط أنباء الثامنة…ولا حتى منتصف الليل فسكرتير تحرير الشريط عوّض خبر موت المسكين بخبر وفاة كلبة صاحبة الجلالة ملكة النرويج أطال الله أظافرها…وبعد الدفن جاء كلب المسكين يبكي سيده ويشتم قبره ويبكيه كما لم يبكه إنسان…رحم الله المسكين…وأطال الله في عمر كلبه…الوفي

سلامة حجازي