حاكم محلي يحاصر إذاعة ، أمن «يسحل» شابا و«مارقون» يعتصمون بالحصانة

معذرة يوسف شاهين.. ونحن نتابع شأننا الوطني، لم نجد من تعليق على ما نحن فيه سوى التساؤل بحُرقة إذا لم تكن هي الفوضى بكل أبعادها وتجلياتها ومعانيها، وتذكّرنا بالمناسبة عنوان أحد أفلامك الصادرة عام 2007 في مصر تحت نفس العنوان : «هي فوضى !..» والذي تناولت فيه بغضبة المبدع المؤمن بوطنه موضوع الفساد في بلدكم وتجاوزات الشرطة، والفيلم كما هو معلوم للكبار فقط لما يحتويه من مشاهد عنف

اليوم، ونحن في القرن الجديد وتحديدا في مطلع عقده الثالث، وفي بلد يُقال أنه عرف «ثورة حرية وكرامة» منذ 2011، نكابد الفوضى بعينها ولا نقف عند محاكاة وقائع فيلم يوسف شاهين في الواقع، بل نضيف لها ما تيسّر من «الخصوصيات» و«التقليعات» والبدع التي قد لا تكون جالت في مخيّلة المخرج المصري ولا حتى كبار المخرجين في العالم 

أمس الخميس 10 جوان 2021، «حاكم محلي» لا يكتفي بحق الرد الذي كفلته له قوانين الدولة المدنية فراح يقتص ويثأر لنفسه على طريقته من إذاعة خاصة «ذنبها» أنها أثارت طريقة غريبة في تنفيذ قرار بلدي لسنا مخولين ربما للبت في صلاحيته إن جاز القول أو مشروعيته وشرعيته، لكننا واثقون أن «التنفيذ» فيه تجاوز غير معهود فقد جرت العادة أن يكون وضع الشمع أو «التشميع» بطريقة حضارية و«نظيفة» وفيها تجسيد لهيبة الدولة، دولة القانون طبعا، وصرامتها من جهة ومن جهة ثانية احترام الذوق العام على الأقل فاستعمال الأعمدة الحديدية واللحام بالشكل الذي شاهدناه في بلدية الكرم لم نألفه صراحة من قبل.
عربدة

والأغرب من ذلك ان رئيس البلدية لم يكتف بحق الرد على أمواج إذاعة «شمس أف أم» الخاصة، ولم ينصح مثلا العونين اللذين قاما بتنفيذ قراره الفريد بالتوجه بدورهما للإذاعة نفسها للرد، فقد تحول عدد لا بأس به من عمال البلدية الى مقرها الكائن بمنطقة البحيرة بالعاصمة ومحاصرته ورفع شعارات تمس من العاملين بها

والطريف أن عمال البلدية سخّروا وسائل العمل من شاحنة وجرافة للتنقل والاحتجاج أمام الاذاعة في الوقت الذي كان يفترض فيه استعمالها للقيام حصريا بالعمل البلدي و«النضال» الطوعي إن كان الأمر كذلك

وكان لزاما أمام هذا الحدث الجلل، أن تؤكد القصبة أن رئيس الحكومة هشام المشيشي وهو وزير الداخلية بالنيابة تدخل شخصيا، أجل تدخل شخصيا ، لتأمين الإذاعة وحماية العاملين بها وهو ما يعني بشكل تراجيدي أن حماية التونسيين اليوم اصبحت بـ  : تدخل
ليس ذلك فحسب، اتصلت رئاسة الجمهورية بـ «شمس أف أم» هاتفيا، أجل هاتفيا وأكدت لها رفضها كل أشكال تهديد حرية التعبير والصحافة وأدانت إقدام عدد من العاملين في بلدية الكرم على محاصرة مقرها، وهنا عادت بنا الذاكرة الى بيانات الشجب والادانة والتضامن والوعيد في أرشيف الحكام العرب

أوهام

ولم تقف «الفوضى» عند هذا الحد فقد وجدنا أنفسنا أمس ايضا أمام روايتين في مشهد واقعي مدمّر للقلوب والعقول، الأولى توثق وتستنكر وتتهم والثانية توضح وتفند وتتعهد… وأصل الحكاية كما جاء في الرواية الاولى المدعمة والموثقة بتسجيل مرئي أن عناصر من الأمن الذي حلمنا بأن يكون «جمهوريا» تتعامل مع مواطن شاب بطريقة لا نجد العبارات لتوصيفها لأنها طريقة لم تجرّد المواطن الشاب من ثيابه ولم تعرّه هو وحده فقط، بل عرّت قبحا شديدا دفينا فينا توهمنا لبعض الوقت أنه غير موجود الأمر الذي جعل نائب رئيس مجلس نواب الشعب يتحدث عن المارينز في سجون أبو غريب الشهير في العراق ويقول : مهما كان الجرم الذي ارتكب لا يمكن أن نرى صورة مسيئة تهين المؤسسة الامنية وتجعل سمعتها على المحك

لا شيء يبرّر ما حصل مهما كانت الذرائع، وبدل الهروب الى الأمام فإن أقوم المسالك هو عدم التوقف عند «التحقيق» المعهود – فلنا حكاية طويلة مع التحقيقات واللجان- والقيام بالمراجعات الضرورية في تكوين ورسكلة وتأطير وتنظيم أبناء المؤسسة الأمنية التي وقعت للأسف فريسة التناحر والتجاذب السياسي ودفعت في المحصّلة ثمنا باهظا بارتدادها وتهرئة المصالحة التي غنمتها مع التونسيين تدريجيا بعد 2011

صحيح أن ما وقع ليس عملا ممنهجا في المؤسسة الأمنية لكن تواتر الوقائع ينذر بتعقيد الأمور إذا لم تحصل ردّة الفعل المسؤولة والواعية بضرورة وضع حد لما حصل حتى لا يتكرر خصوصا وأن المناخ العام في البلاد تحت وقع الازمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية مرجّح للتعقيد والتعكّر، وإمكانية لجوء التونسيين للعصيان والتمرد مثلما تنص على ذلك تشريعات حقوق الانسان واردة جدا ولا فائدة من جعل الأمن رأس حربة منظومة الحكم في استعداء وقمع الشعب

مرحلة متقدمة

وهنا نقول أنه من حق التونسيين أن يغضبوا خصوصا عندما يرون الكيل بمكيالين في بلادهم ويرون ترتيب المواطنين درجات… مواطنون ببطاقة التعريف الوطنية فقط، يمتثلون للقانون ويدفعون الضرائب و«يبيع» بعضهم للأسف صوته في مواسم الانتخابات وعليهم أن يصمتوا أمام موجة غلاء الأسعار وانهيار مقدرتهم الشرائية واندثار أمل بعضهم في الحياة والعيش الكريم.. ومواطنون فوق رؤوسهم «ريشة» كما يقال يتمتعون بالحصانة ويعتصمون بها ويكسرون بواسطتها هيبة الدولة ومؤسساتها

وبعد الاعتداء السافر على الأمنيين في المطار مرة ومرتين بحجة رفض الإجراء الاحترازي الدولي المعروف بـ «الأس 17»، وصلنا الى مرحلة تجاهل المؤسسة العسكرية بكل رمزيتها وضربنا عرض الحائط بطاقة الجلب الصادرة عن القضاء العسكري «وما أدراك ما القضاء العسكري» كما يقول «التوانسة»

ولم يسلم القضاء المدني من «ثورة» المعتصمين بالحصانة الذين هبّ بعضهم لنجدة مواطن هو في نهاية المطاف في حضرة القاضي حتى وإن كان حضوره مثيرا للجدل فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو عن حق المواطن البسيط الذي ليست له حصانة أو حزب أو منظمة أو لوبي يحميه 

لقد كشف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أمس تضاعف عدد التحركات الاحتجاجية الشهر المنقضي مقارنة بنفس الشهر من السنة الماضية، كما تفيد جميع المؤشرات وخصوصا إثر تطورات الأيام القليلة الماضية ودخول معركة كسر العظام بين الرؤساء الثلاثة وبين رأسي السلطة التنفيذية مرحلة متقدمة وقع تدشينها بطي صفحة المؤسسات الدستورية والمستقلة القائمة حيث من الأرجح أن يتم ترحيل ملف المحكمة الدستورية الى العهدة الانتخابية القادمة وترك البقية إما في حالة موت سريري أو داخل بيت طاعة الأغلبية البرلمانية والوسادة الحكومية بقطع النظر عن مصلحة الشعب والوطن… هي فوضى

بقلم: مراد علالة