تونس : قِصّتي مع سائق التاكسي المُختصّ في عذاب القبر

منذ إعلاني أمس عن مقترح التاكسيست في الحكومة، ووعدي لكم بكتابة ما عشت، قدّرت أنّ نصّي سيخلو من التشويق، تردّدت في الكتابة « الباردة » غير أنّي خشيت أن تقاطعوني مقاطعة البطاطا و » البنان والزقوقو »، فها إنّي حاكٍ حكاية قد تكون « ماسطة لاسطة » أرويها وأمري لله

صعدت التاكسي، كان المقصد ككلّ جمعة دار المعلّمين العليا، فإذا رائحة البخور ساطعة، نظرت أبحث عن كانون ولا كانون، وكتيّبات الحصن الحصين متناثرة بين يديّ وخلفي وأمامي، وأعلام صغيرة سوداء وملوّنة إلاّ علم بلادي، لافتة مركوزة قدّامي تخبرني بأنّ عذاب القبر آتٍ لا ريب فيه مع رقم هاتف جوّال، تخرج من موضع المذياع أصوات لست فاهمها وإيقاعات صوفيّة يتابعها التاكسيست بكلّ جسده الممتلئ لحما وشحما يموج يسرة يكاد يخلع الباب، ويمنة يكاد يدفعني خارج السيّارة، تتصاعد الإيقاعات وهو في حركات عموديّة يكاد يخرج من سقف السيارة، كتلة لحميّة ضخمة متحرّكة وأنا في حيرة من أمري، يدي على قفل الباب مستعدّ للقفز في أيّة لحظة كتوم كروز، تذكرت لافتة القبر، فقاومت شماتة فيها
كدت أنخرط معه في النطّ والحطّ والميلان و »الرعشان »، هلوستُ، قد تكون التاكسي « مسكونة »، خطر لي أن أحادثه لجسّ نبضه، ومعرفة « كوعي من بوعي »، قلت بصوت عالٍ: « شكْلو الحكومة؟ »، قلّص في المذياع، هدأت نفسه، خاطبني بنبرة احترام : « مازالوا »، حمدت الله أنّ خاطبني إنسانا سويّا، مع هذا قلت في حذر: « شنوّة رأيك؟ » ردّ في ثقة: « إذا شاوروني نقلهم الحل »، صمتّ مستغربا، ثم قلت: « عندك الحل؟ » قال في هدوء: الحل ليس في نوع الوزراء ورئيس الحكومة، حتّى إذا حطّو الفُسّاد عندي الحل؟
قال وهو ينظر إليّ يكاد يطلّق مقود السيّارة وصوته قد غلُظ : « الحل في عذاب القبر »، اقشعرّ بدني واللافتة قدّامي، بسملتُ وحمدلت وحوقلت، اصطنعت هدوءا هرب عني، قلت في اتّزان مبالغ فيه: « ما علاقة الحكومة بعذاب القبر؟ »، ردّ والحالة في طريقها إليه « يلزمني نلقّح للوزراء واحد واحد تلقيح القبر، نرهبهم بعذاب القبر توّ يشدّو الثنية كلهم، وتنتهي السرقة والتحيّل »، قلت فزعا: « وأنت خوي فين تعرف عذاب القبر، متْ وحييت؟ » قال في هدوء : أنا مختصّ في عذاب القبر، حلقاتي في المسجد معروفة، وعندي قبر في داري، نبرفو فيه ونعيشو فيه الحالة، إذا تحب تزورني مرحبا تو أنت نفسك تشد الثنية، رقمي في اللافتة قدّامك

الدكتور توفيق العلوي