تقارير محكمة المحاسبات والعمل المهدور

تصدر دائرة المحاسبات بوزارة العدل سنويا عددا هاما من تقارير الأعمال الرقابية التي تخص البرامج العمومية والأنشطة القطاعية ومصالح

الدولة والمؤسسات والمنشآت العمومية الوطنية والجمعيات ومصالح الدولة والمؤسسات العموميّة والمنشآت العمومية على الصعيد الجهوي. ومن الثابت أن الدولة تنفق أموالا طائلة لإنجاز هذه التقارير وتجند كفاءات كثيرة وخبرات ، وهؤلاء بدورهم ينفقون أوقاتا طويلة في إنجاز المهام الرقابية وفي في إخراج هذه التقارير. كما أنه من الثابت أن أي دولة لا يمكن أن تضمن السير المجدي لمؤسساتها ومنشآتها ولا أن تفرض الرقابة عليها والشفافية في آداء مهامها ولا أن تخضعها للحوكمة الرشيدة دون عمل هذه المؤسسة الرقابية

تنشر هذه المؤسسة كل تقاريرها وتضعها على ذمة العموم في موقعها على النات ويمكن لأي مواطن يعتبر أن من حقّه أن يطلع على ما يدور داخل مؤسسات الدولة وأن يمارس عليها الرقابة المواطنية أن يطلع على هذه التقارير. ولكن يبدو أيضا أن قلة قليلة من المواطنين يفعلون ذلك ويتابعون هذه التقارير وما تقتضيه بدورها من متابعة تنفيذية. ولا يتوقف الأمر عند حدود استقالة المواطن من ممارسة دوره الرقابي وتخليه عن حقه في المحاسبة عند عدم تنفيذ الجوانب الإجرائية في هذه التقارير، بل يلاحظ أن الدولة نفسها تتعامل مع هذه التقارير بالأسلوب نفسه، وكأن الغاية تقف عند حدود إصدارها. لذلك نتساءل بشأن التقارير المهمة التي أصدرتها محكمة المحاسبات ولها علاقة مباشرة بمصالح الدولة وبمصلحة الشعب و بما ينص عليه الدستور من كونه هو مصدر السيادة الأصلية. وأقصد التقرير الصادر في أفريل2019 حول  » رقابة هيئة الحقيقة والكرامة » والتقرير الصادر في نوفمبر 2020 حول « نتائج مراقبة الحملة الانتخابية الرئاسية السابقة لأوانها والانتخابات التشريعية لسنة 2019 » بل يمكن أن نضيف إليهما التقرير الصادر في التاريخ نفسه 06/11/2020 عن دائرة الزجر المالي والمتعلق بالفترة 2012-2019، فقد جاءت في هذه التقارير معطيات على غاية من الخطورة تشمل جوانب مالية وتدور حول سوء التصرف في المال العام والتمويل غير المعلوم المصادر، وجوانب إدارية تدور حول سوء التصرف وعدم الالتزام بما تقتضيه القوانين والأنظمة وجوانب سياسية تشمل القصد إلى تزييف إرادة الناخبين واعتماد أساليب غير قانونية في توجيهها . ولأن المجال لا يسمح بالتوسع في ذكر أهم ما ورد في هذه التقارير فإني أؤكد الدعوة إلى وجوب الاطلاع عليها حتى لا يظل حديثنا عن إدارة الشأن العام في تونس وعن المتدخلين فيه والقائمين عليه مجرد أقاويل بغير مستند ولا حجة من جهة ، كما أتساءل، وسؤالي موجه إلى كل الجهات المعنية أولا وإلى المواطنين ثانيا حول الجدوى من هذه التقارير إذا كان لم يترتب عليها إجراء يذكر ولا متابعات في حجم المعطيات الكارثية الواردة فيها. أتساءل أليس من حقنا كناخبين أن تتم متابعة التقرير حول الحملة الانتخابية وتطبيق ما يفرضه قانون الانتخابات على ما جاء في هذا التقرير من انتهاكات لهذا القانون نفسه ومن تجاوزات وتلاعب بإرادتنا؟ أليس من حقنا أن نعرف بكل دقة ووضوح من أين جاءت الأحزاب والمترشحون بالأموال التي استخدموها في حملاتهم الانتخابية؟ أليس من حق المبدأ الدستوري الضامن للسيادة الوطنية ولعلوية إرادة الناخبين علينا أن نحدد بكل وضوح من أين جاءت الأموال ومقابل ماذا يتحصل عليها من أشار إليهم التقرير ومن له مصلحة في التدخل الأجنبي في الانتخابات التونسية؟

على الشعب التونسي، وهو يستعد للاحتفال بالذكرى العاشرة للثورة، أن يعرف كيف يحتفل الاحتفال الذي يعيد الثورة إلى المسار الذي يستجيب لمطالبها الأصلية والذي ينصف من قاموا بها وينقذ البلاد والدولة، وهذا الاحتفال لا يجب أن يكون بعيدا عن النقد المؤسس على معطيات دقيقة، والتقارير التي أشرنا إليها توفر نسبة هامة منها، وعلى المحاسبة العادلة لكل الذين تولوا شأن إدارة البلاد خلال هذا العقد الصعب

بقلم نزيهة جويرو