المشيشي… وبعد

منصب رئيس الحكومة أو وزير أول، سواء في الدول المُتقدّمة أو في الدول المُتخلّفة، سواء في الديمقراطيات أو في الأنظمة الاستبدادية، هو منصب يتطلّب حنكة عالية وتجربة سياسية طويلة. فهو يُمثّل نهاية المطاف بالنسبة لمن كرّس حياته في السياسة وفي خدمة البلاد. ولنا في تونس عديد الأمثلة مثل الباهي الأدغم والهادي نويرة والهادي البكوش وحامد القروي

في تونس، بعد « الثورة »، عشنا تجربتين مع شابّين تحمّلا أعباء هذا المنصب، وأعني يوسف الشاهد وهشام المشيشي. وإن كنت من أكثر المُشجّعين على تشريك الشباب وخاصّة النساء في مواقع القرار في السلطة، غير أن المسؤول الأول لا بدّ أن يكون من ذوي التجربة الواسعة في الحياة العامّة

تجربتا الشاهد والمشيشي كانتا بالنسبة للتونسيين مثل الجرعة الأولى وجرعة التذكير من التلقيح ضد قلّة التجربة في مواقع القرار الأولى
هذه الجرعة الثانية، والتي نتمنّى أن تكون الأخيرة، كانت قاسية إلى أبعد الحدود على التونسيين. إذ أن المشيشي، الذي سار على خطى الشاهد بشكل مُلفت للانتباه رغم السقوط المدوي لهذا الأخير، لم يُبدِ فقط نقصا مُدقعا في التجربة السياسية، وإنما أضاف لها حبّا مُفرطا في الكرسي على حساب البلاد والمصلحة العامّة، ضاربا عرض الحائط بكل المبادئ والقيم التي ادّعى الإيمان بها ووعد بالالتزام بها. فمن الموظف السامي المستقل الكفء انتقل إلى ذيل لحزب بعينه، ومن الشاب المُتفتّح المستنير انتقل إلى الخادم المُطيع لشيخ الظلامية

لا أحد، بمن فيهم المشيشي نفسه، يشك في أن أوضاع البلاد ساءت إلى أبعد حدّ في الأشهر الأخيرة على جميع الأصعدة. قد يقول بعضهم بأنه وجد تركة ثقيلة عند قدومه، لكن الأكيد هو أنه لم يقم بأي إجراء للخروج من الأزمة، بل أنه لم يقم بأي جهد لمنع تفاقمها. فلا هو صاحب مشروع ولا قام بتشخيص دقيق للداء، عدى تكوين لجان ستموت مثل كل اللجان، وإنما أخذ يلهث وراء وسادة خالية وحزام ليس على مقاسه، حزام ضيّق وثيق قبض على أنفاسه

أراد المشيشي الهروب من قبضة رئيس الجمهورية، فخلناه يبحث عن الاستقلالية التامة التي رفع رايتها عند قدومه، وحتى لا يكون العبد المأمور المُطيع لسيده. غير أن الحقيقة هي أنه اختار سيّدا آخر. سيّد يكاد يُجمع التونسيّون على أنه المسؤول الأول على خراب البلاد وعلى إفلاس الدولة وعلى تقسيم المجتمع. سيّد تمكّن من مفاصل المؤسسات بالترغيب وبالترهيب. هذا التمكين لم ينبذ المشيشي ببنت شفة للتصدّي له، ولا حتى للحدّ منه. بل أكثر من ذلك، فقد قبل بأن يكون الأداة الطيّعة لمواصلة جهود سيّده في إحكام قبضته على الإدارة وعلى المؤسسات

تفسير هذا التمشّي نظّر له العديد من قبله، بدءا بالباجي قائد السبسي، على اعتبار أن التحالف مع حركة النهضة لا مفرّ منه في ظل النظام الهجين الذي فرضه دستور 2014. ولكن، وفي انتظار تعديله، فإن ثمن الحفاظ على السلطة باهض جدّا. فهو يتطلب التخلّي عن المبادئ والقيم، والتخلّي عن خدمة الوطن والشعب. وتبقى الاستقالة أخفّ الأضرار. لكن المشيشي خيّر الهروب إلى الأمام. فهو لم يكتفِ بالتحالف، وإنما اختار الانصياع بكل حماس

أليس هو من دفع قوات الأمن إلى الهجوم على المعتصمين المطالبين بغلق مقر فرع اتحاد « علماء المسلمين »، وكر الإرهاب في تونس؟ علما بأن سيده من قادته ومن أشرس المدافعين عنه، وبذلك يُبرهن على أن طاعة السيد تفوق عزمه على التصدي للإرهاب في بلادنا. أليس هو من عيّن مُرشّح سيده لرئاسة وكالة تونس إفريقيا للأنباء رغبة منه في الاستيلاء على أهم المنابر الإعلامية في البلاد، وبالتالي الاستيلاء على السلطة الرابعة من خلالها؟

الأمثلة التي يُمكن أن نسوقها في هذا المضمار عديدة. لكن ما يُمكن استنتاجه من هذا التصرّف يتلخّص في أمرين

الأمر الأول هو أن التاريخ سيُسجّل أن مرور المشيشي بالقصبة كان كارثة على البلاد. فالاقتصاد واصل انهياره، وصحة التونسيين ازدادت تدهورا، وهيبة الدولة نزلت تحت الحضيض، وصورة تونس في الخارج أصبحت محل سخرية من قبل المؤسسات المالية العالمية

أما الأمر الثاني فيتعلّق بقصر نظر السيد هشام المشيشي، ذلك الشاب الذي أصبح مستقبله وراءه، ولم يتمعّن في التاريخ القريب الزاخر بالدروس. فهو لم ينتبه إلى الوضع الذي آل إليه من سبقه في الارتماء في أحضان الإسلام السياسي الذي يأكل الانتهازيين أكلا، فيستعمله إلى حد العظم ثم يرمي به كما يرمي بالمنديل المُستعمل

نحن في حاجة أكيدة وعاجلة إلى مسؤول في مستوى قيادة الدولة امرأة كانت أم رجلا، يتحلّى بالخبرة السياسيّة التي تُمثّل المسؤولية العليا تتويجا لها، وليست تربّصا مهنيا. مسؤول يحمل مشروعا عميقا يعمل على مصلحة المواطنين ومصلحة أبنائهم بعيدا عن المصالح الشخصية وعن الولاءات الشيطانية والإملاءات الانتهازية. مسؤول يُحافظ على ما بقي من الجمهورية المدنية. وتونس لها منهم الكثيرات والكثيرون

بقلم منير الشرفي