التهديد بالاغتيالات يعيد ذكريات مرحلة سوداء عاشتها تونس

عاد التصعيد السياسي في تونس ليفرض نفسه بعد الانتخابات التشريعية التي شهدتها نهاية السنة الماضية، وافرزت برلمانا جديدا بان جلياً أنه سيكون ساحة للصراع بين فرقاء السياسة والخلافات العقائدية

ومما زاد في تصاعد الأزمة السياسية ما خلفته جائحة كورونا من تعطيل للحياة السياسية، والتي زادت من تصاعد الأزمة الاقتصادية التي ورثتها الحكومة الجديدة عن سابقاتها، وارتفاع نسبة الديون الخارجية والداخلية وتعطل مسار الاصلاح الاقتصادي لفترة طويلة

تجمعت الازمات أمام الحكومة التونسية الجديدة ورئيسها الياس الفخفاخ وزاد عليها التطورات العسكرية الاخيرة في ليبيا والتي منذ نهاية السنة الماضية تحولت لساحة مفتوحة للتدخل التركي الذي انتقل من الدعم والاسناد لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، الى ارسال عدة مئات من المستشارين العسكريين وشركات امنية تركية رفقة الاف من المرتزقة السوريين وعدد من الارهابيين من جنسيات مختلفة نقلوا من الشمال السوري الى الغرب الليبي

هذه الملفات الحارقة ساهمت في رفع مستوى الازمة السياسية مع اختلاف الرؤى بين اللاعبين الرئيسيين في الساحة بين من يسعى ليكون طرفاَ في التحالف مع حكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج وحلفائها، وبين من يعتبر ذلك تهديداَ للأمن القومي لتونس، لأنه سيعزز من حضور جماعات الاسلام السياسي المتطرف على الحدود الشرقية، ويعيد تكرار مرحلة عانت تونس من جرائها كثيرا وتسببت حالة الفوضى في مناطق الغرب الليبي المجاورة لها بان تحولت حاضنة للجماعات الارهابية التي نفذت عمليات ارهابية كبيرة ومؤلمة ضدها تسببت لها في خسائر بقيت لسنوات طويلة تحاول محاصرة نتائجها وخاصة على المستوى السياحي والاقتصادي

الرئيس التونسي قيس سعيد كان موقفه واضحاً في رفض التدخل العسكري التركي المباشر في ليبيا، ورفض محاولات تقسيمها واستنكار التدخلات الاجنبية، والتأكيد على أن الحل لا يمكن أن يكون خارج آلية حوار بين الليبيين انفسهم بشكل مباشر

هذا التصعيد السياسي خلق ازمة بين اقطاب الحكم والاحزاب السياسية ودفع بأطراف خارجية لتوجيه رسائل تهديد بالاغتيال لقيادات سياسية تعتبر من المعارضة للتدخل العسكري التركي في مناطق الغرب الليبي وما يمكن أن يكون لذلك من انعكاسات خطيرة على الامن القومي لتونس

وفي انتظار عقد جلسة مجلس النواب لمساءلة رئيسه السيد راشد الغنوشي حول اتصالاته مع الرئيس التركي، وتهنئته لرئيس حكومة الوفاق الليبية بانتصار قواته على قوات الجيش الوطني الليبي واستعادة قاعدة الوطية القريبة من الحدود مع تونس، والتي اثارت غضب رئيس الجمهورية المخول بحسب الدستور بملف العلاقات الخارجية لتونس، وفتحت سجالاَ لم ينتهِ بعد حول دور رئيس مجلس النواب وحدود صلاحياته، وازاء هذا التصعيد السياسي عادت للأذهان بعد سبع سنوات من تنفيذ جريمتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي نفس ذكريات الاوضاع التي شهدتها تونس حينها والتصعيد السياسي الذي أدى لذلك ومخاوف من استغلال هذه الظروف وقيام مجموعات ارهابية بتنفيذ اغتيالات أخرى

أزمة اقتصادية فاقمت جائحة كورونا في تفاقمها، وازمة تتصاعد بين الاطراف السياسية في غياب البحث عن حلول لها باستثناء التصعيد في الخطاب السياسي وتبادل الاتهامات بينها مما يهدد بانتقال هذا التصعيد من الاطار السياسي الى الشارع مع اصرار كل طرف على موقفه وغياب البحث عن مخارج تمكن من نزع فتيل الأزمة

استمرار سياسة الحياد في الموقف من اطراف النزاع في ليبيا والابتعاد عن التورط في دعم التدخل التركي المباشر في الأزمة سيكون مفتاح الصدام والحل للازمة السياسية في تونس

بقلم باسل ترجمان

نشر هذا المقال بجريدة الدستور