الباحثة التونسية زينب التوجاني تعيد إلى المثقف دوره في المجتمع

“رؤى حية في الإسلام والقيم في مجتمع ما بعد الثورة :  كتاب جديد للباحثة التونسية زينب التوجاني، المختصة في

زينب التوجاني

الحضارة العربية الإسلامية وتحليل الخطاب الديني، جمعت فيه المقالات التي كتبتها في الفترة الممتدة بين 2017 وبداية 2021 ونُشرت في الصحف التونسية والعربية وهي مقالات تهتم بالشأن العام وتقدم رؤى الكاتبة في عدة قضايا فكرية واجتماعية وسياسية ودينية وغيرها

تقدم المقالات قراءة الكاتبة ورؤاها المتعلقة بالقيم المعاصرة على غرار المساواة والعدالة والمواطنة والحرية والكرامة الإنسانية واحترام الحريات الفردية وحق التفكير وحق الاختلاف وغيرها من المسائل التي مثلت على مدى السنوات الماضية، وخاصة في فترة ما بعد الثورة التونسية، محل جدل بين التونسيين والتونسيات في هذه الفترة الانتقالية

ضد الثقافة الذكورية

تعكس المقالات التي ضمها الكتاب، الصادر أخيرا عن دار آفاق – برسبكتيف للنشر، تفاعل الأكاديميين مع ما يحدث في المجتمع، وتدعو من خلالها التوجاني إلى التفكير في دور المثقف في المجتمع، بل تعيد له دوره في الحياة السياسية والاجتماعية عموما. فهي تعتبر أن أقلام المثقفين وجه من وجوه نجاح الثورة التونسية، وهذه الثورة لا يمكن أن تصل إلى بر الأمان من دون ثورة ثقافية يساهم فيها الجميع بوعي والتزام

وتشير الكاتبة في بداية مؤلفها إلى أنها توخّت العقلانية والمعرفة العلمية والتجربة الذاتية في تحليلها وإبداء مواقفها من مجمل القضايا التي تناولتها، وأكدت من خلالها على ضرورة استكمال التحديث دون أن تنكر مخاوفها من : عودة الصحوة وصعود تيارات الإسلام السياسي

الكتاب تضمن أكثر من خمسين مقال رأي تعلقت بأهم القضايا والإشكاليات التي عاشها التونسيون وتباينت مواقفهم بشأنها. ولم تتردد التوجاني في الإصداع برأيها حتى وإن لم يعجب من يخالفها، فتحدثت عن الثقافة الذكورية والعنف الذي تتعرض له المرأة والبون الشاسع بين حقوقها على مستوى النصوص التشريعية وغيابها على مستوى الممارسة، ولفتت إلى ظاهرة العنف الأسري مع تفاقم أزمة كورونا، كما ذكّرت أصحاب القرار بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الذي ظل في الرفوف في بلد يتشدق مسؤولوه بمكاسب المرأة

ومساهمة التوجاني في نقد الثقافة الذكورية لها أهمية بالغة، حيث تعتبر تونس رائدة في مجال حقوق المرأة ولكن رغم ذلك الواقع مازال متعثرا

وعلى غرار بقية البلدان العربية لا تزال الأساطير التي تدور حول ربط الشر بالمرأة تتحكم بوعي الشعوب العربية وتوجه سلوكها تجاه النساء في تناقض فاضح بين الطبيعة الأولية المنصفة وبين سعي السلطات الدينية إلى إقصاء النساء وعزلهن عن الفضاء العام والتحكم بما ترتديه المرأة وتحديد تحركاتها وكبح طموحاتها الإنسانية والثقافية

تردت أوضاع النساء إلى ما نراه اليوم في مجتمعاتنا بانصياع الجموع مغيبة الوعي إلى تغوّل البعد الخرافي والسياسي الطائفي وتبني تلك الجموع مواقف متشددة إزاء المرأة مع احتقار معلن لقيم الإنسانية ومظاهر الجمال والتحضر

يمكننا الإقرار بأن المرأة في مجتمعاتنا لم تأخذ حقوقها كاملة بعد وأن المجتمع السائد هو المجتمع “الذكوري” الذي يهيمن فيه ليس الرجال فقط، بل الفكر الذكوري بشكل عام حتى بين غالبية النساء. فقد أصبحت المرأة عموما تعتنق دون مناقشة الأفكار التي نشأت وتربت عليها تحت هيمنة الأب، الأخ، المدرس، الزوج والسيد، وتم حشو دماغها بأنها من النوع الأدنى، التابع، الموالي والخاضع، وأن هذه التبعية حماية لها

الكتاب يدعو إلى التفكير في دور المثقف في المجتمع ويعيد له وظيفته في الحياة السياسية والاجتماعية عموما

وأصبح المجتمع الثقافي الذكوري يفرض هيمنته بقوة في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية والحراك السياسي الذي يمكن أن تلعب فيه المرأة المثقفة دورا مستقلا مماثلا موازيا ومكملا لدور الرجل، فأدى إلى أن أصبحت المرأة بمفردها، بينما عليها أن تثبت وجودها ليس اعتمادا على قدراتها الخاصة، بل أساسا على علاقتها بالرجل وخصوصا من يملك الصيت أو الاسم أو النفوذ، مع ترسخ أقدام ذلك الأخبطوط الهائل الذي يتمثل في السلطة السياسية، الدينية، الاجتماعية، الإقطاعية العتيقة

ويتلون المجتمع الثقافي الذكوري إذ بات يميل أكثر إلى التظاهر بمظهر الديمقراطي، المعتدل، المتوازن، الموضوعي، الذي لا يميل لاحتكار سلطة العمل الثقافي بل يرحب بتشجيع “الأنثى” الميديوكر بالطبع، ليخلق منها صنيعته وشبيهه

وتقول التوجاني : تزداد الهوة اتساعا في تونس بين قوى قادرة على مواجهة العصر بالعلم والانفتاح وبين قوى تجذب للوراء لا تزال تتعثر أمام الصراع العنيف بين تمثلاتها المرضية للجسد وللحرية وللهوية وبين ما تستوجبه قيم العصر. وتشتد الهوة كلما تعلّق الأمر بأجساد النساء

خطر الإسلاميين

وجهت الكاتبة سهام نقدها إلى عدد من المسؤولين من بينهم رئيس الجمهورية والنساء النائبات بمجلس نواب الشعب، فضلا عن نقدها لحزب حركة النهضة ورئيسه الذي “ادعى فصل الديني عن السياسي” ولفتت إلى ظاهرة تحويل الانتماء الديني إلى فرجة اجتماعية، ودعت إلى مقاومة ما أسمته “الأسلمة السرية وكل قيمها الخفية المنتشرة في خلايا الدولة والمجتمع” لافتة إلى خطورة انطلاق هذه الأسلمة الجديدة من الجامعة التونسية خاصة من خلال تضييق الخناق على المباحث الثقافية بحجج دينية واهية وتراجع مستوى الطلبة من طالبي بحث إلى منغلقين.

ويكتسي هذا الكتاب أهمية كبرى بالخصوص لا فقط من خلال ما جاء فيه من أفكار أو ما تدافع عنه الكاتبة من قيم تعزز مبادئ الدولة المدنية والتنوير، بل كذلك من خلال ما سردته من أحداث وأبدت رأيها بشأنها، عاشتها بلادنا، مما يضفي على هذا المؤلف قيمة مضافة حيث يوثق ما حصل في تونس من أحداث، ويذكّر القارئ بجملة من المسائل من بينها ظروف وضع ميثاق جامعي، وظاهرة إقامة مخيمات دعوية في العديد من المدن والجبال والشواطئ التونسية.

وذكرت الكاتبة بالخطب المسجدية العنيفة التي شهدتها بعض المساجد وما تسببت فيه من زرع أفكار إرهابية في عقول بعض الشباب كما نقلت رفض البعض أن تتولى النساء تشييع جثامين النساء إلى المقابر وانطلاقا مما حصل يوم تشييع جثمان الناشطة الحقوقية لينا بن مهني، وقدمت الكاتبة والباحثة الجامعية قراءتها للمسألة حيث بينت أنه لا يوجد في القرآن الكريم ما يمنع النساء من حمل النعوش ولا دفن الموتى

ومن بين مواضيع المقالات التي تضمنها الإصدار، مسألة إنشاء صندوق الزكاة حيث اعتبرت الكاتبة هذا القرار الذي اتخذه رئيس بلدية الكرم “اعتداء على الدستور وسرقة لأموال الناس”، فضلا عن تضاربه مع مدنية الدولة

وترى التوجاني أن تونس أمامها طريقان لا ثالث لهما لتجاوز الأزمة الحالية: إما محاسبة كل الذين تجاوزوا القوانين والضغط المدني لتفعيل المحاسبة القضائية، وتكون محاسبة حقيقية لا مجرد مسرحيات أو مقايضة مصالح سياسوية وتلعب القوى المدنية دورا مهما للضغط، أو أن يستأثر المتهربون والمتعالون على الدولة والمستغلون لمواردها ومواقعهم ليغطوا جرائمهم المالية والأيديولوجية والسياسية، وليتهربوا بفسادهم من العدالة ولا يجدوا من يصدهم، وحينئذ فإن المصالح تطغى على الوطنية والفساد على الإصلاح والتنمية وتصبح الديمقراطية لعبة الأقوياء لا فرصة المواطنة والبناء

ويذكر أن زينب التوجاني هي جامعية، باحثة في مجال الحضارة العربية الإسلامية وتحليل الخطاب الديني وأثره في المجتمع، لها بحوث في المتخيل الديني والفقهي والسياسي والأنثروبولوجيا والفكر الديني القديم والحديث، وهي ناشطة تهتم بالعمل ضمن المجتمع المدني والحراك الثقافي والاجتماعي. صدر لها “الحرية الفردية والمساواة في تونس” و: الثواب والعقاب في كتب تفسير القرآن

نشر هذا المقال في صحيفة نيولي