الاختيار السياسي الديني : هل غادر الشعراء من متردّم ؟

حضرات الصديقات و الأصدقاء بلادنا منذ اندلاع الثورة كالورقة في مهبّ الريح أو كالزورق الذي تتقاذفه الأمواج لا يعرف استقرارا و لا يرى في الأفق مرسى قريبا و نحن قادمون على انتخابات يقال لنا إنّها ستكون المحدّدة لمصيرنا و في خضمّ هذه الصراعات الحزبيّة أريد أن أقول إنّ من بين الاختيارات الكثيرة المعروضة على الناخب اختيارا أنا واثق من سوء عاقبته و كارثيّة مآله إن صادف أن مال التونسيّ إليه ميلا دفعته إليه قناعاته الفكرية أو دفعه إليه الخوف و الطمع و أعني بذلك الاختيار السياسي الديني الذي يمثّله حزب النهضة و غيره من الأحزاب الدينيّة. و هذا الإقصاء للتديّن السياسي أو التسيّس الديني لا يقوم عندي على كراهية لممثّليه أو تحامل عليهم من أجل توجّه اختاروه وهو حقّ من حقوقهم و لكنّي أرفض التسيّس الديني لأنّ التديّن مسألة شخصية بينما السياسة مسألة جماعية اجتماعية و لأنّ المتديّن لا تكون له من الدين إلاّ قراءة من جملة القراءات و تصوّر من جملة التصوّرات غيرها جدير بمثل ما لها من الاحترام و الوجود و صحّة الواحد منها من عدمها أمر يختصّ به الله دون عباده و لقد جرّبت المجتمعات التسيّس الديني في هذه العقود الأخيرة و عشناه في السنوات الأخيرة في بلادنا فرأيناه يسعى إلى فرض نمط غريب عن المجتمع التونسي و تصوّر باسم الإسلام للأسرة و للمرأة و للتعليم و للثقافة وللفنون و لممارسة الشعائر الدينيّة و غيرها ما لا يزال المجتمع يعاني تبعاته و إنّه من الطبيعيّ أن تكون أخلاقنا إسلاميّة و أن يكون دستورنا متأصّلا في شريعتنا الإسلاميّة السمحة القائمة عل قيم العدل و الخير و الحرّية يترجمها كلّ عصر بما تقتضي أحواله بضبط العلاقات العامّة الدنيوية و ترك القناعات و العبادات الفرديّة الدينيّة إلى ما بين المرء و ربّه خارج الأطر السياسيّة . لهذه الأسباب ملخّصة و لغيرها لا بدّ من الفصل بين الدين وهو شخصيّ و السياسة وهي عامّة فهل ترى الناس مدركين للأمر و هل ترى لنفسك من وازع شخصيّ وطنيّ على المساعدة لإرساء البلاد على شاطئ الأمان؟ و لئن كان تخليص السياسة من الدين أمرا واضحا في تصوّري فإنّ تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من بقيّة الأحزاب معضلة يشيب لها رأس الوليد

الدكتورالهادي جطلاوي