الأوروفيزيون مباشرة من تل أبيب

سهرةَ السبت الفارطِ تمثّل الحدث الذي شدّ أنظار القارّة الأوروبيّة بل شدّ أنظار العالم كلّه، إلاّ ما تخلّف منه، تمثّل في السّهرة التّي بثّتها الأوروفيزيون مباشرة من تل أبيب. و هذه السّهرة حفل سنويّ اختتاميّ متوِّج لأفضل أغنية أوروبيّة. و الأوروفيزيون مؤسسة جامعة للإذاعات و التلفزات الأوربيّة منذ 1956 حيث لم يتجاوز عدد المنخرطين فيه السبع دول و قد اتّسعت دائرته باتّساع عدد المنخرطين في الاتّحاد الأوربيّ، و قد انضمّت إسرائيل إلى الأوروفيزيون منذ 1973 وهو تاريخ جلل و فازت بالمرتبة الأولى في أربع مناسبات (1978 و 1979 و 1998 و 2018) و ليس يعنيني هنا أن أتساءل عن انخراط إسرائيل المشبوه في منظّمة أوربيّة و لكن يهمّني هنا أن أذكّر أن أوربا منذ 1956 قد اختارت الفنّ و الغناء منهجا سيّاسيّا للتوحيد في زمن عجزت المناهج غير الفنّية عن الجمع و التّوحيد و أنّ إسرائل قد اختارت هذا المسلك الفنّي للاندساس في الروح الغربيّة. و منذ ذلك العهد ما ينفكّ الأوربيون يؤكّدون أنّ هذا الحدث الفنّي الكبير حدث لا سياسيّ
و من شاهد هذه السّهرة المبثوثة بالأمس مباشرة من تل أبيب لا يمكن له أن لا ينبهر بحسن الإعداد و بالمستوى التكنولوجي الجبّار في تحريك المسرح و تلوين المشهد بما لا يدع مجالا للشكّ في قوّة الصناعة و قوّة الصّانع. و كان كلّ شيء يرسّخ في لا وعي الزائر و المشاهد معنى الاستقرار و الأمن و الحداثة و الرفاهيّة في اسرائيل و يطرح من بالك أنّ شعبا مقهورا جائعا يقبع على أمتار قليلة وراء ذلك الدّيكور و تلك الأنوار
و ممّا زاد في تلميع الصورة الصهيونيّة اختتام السّهرة بعرض رائع من « مادونا » و ممّا يدلّ على تغييب السياسة أنّ مادونا وضعت على عينها اليسرى عصابة سوداء أنيقة شدّتها كما كان يشدّها « موشي ديّان » بطل حرب 1967 و بها تعصّبت على امتداد استعراضها. و حتّى لا تتّهم « مادونا » بالدعاية للصهيونيّة كشفت في نهاية عرضها على ظهر اثنين من راقصيها علمين أحدهما علم فلسطين و الثاني علم إسرائيل و كأنّها بهذا المشهد الذي لا يُرى بغير المجهر، تدعو إلى السلام بين طرفيْ النزاع
لكنّ الذي استرعى انتباهي في كلّ هذه المسرحيّة المتعالية عن السياسة أنّ بلال الحسّاني هو الممثّل بالأمس للجمهوريّة الفرنسيّة و أنّ محمود المصري هو الممثّل للجمهوريّة الإيطاليّة و بفضل الكفاءة الفنّية اعترف لهما الغرب بالأفضليّة و بفضل هذه الكفاءة، لا بغيرها، صدح صوت هذين العربيين عاليا في سماء تل أبيب التّي نقلته إلى العالم جميعا رغم أنفها. فهل من مدّكر؟

الدكتور الهادي جطلاوي