إما الحكم وإما النفير

بات واضحا للعيان أنّ حركة النهضة الإخوانية بشقيها الغنوشي والمستقيلين، تعتمد ذات الاستراتيجيا الدعائية للحركة الإخوانية العالمية منذ سنة “الخراب” 2011، والتي تقوم على أنّهم ما داموا في الحكم بفضل “الصندوق” أو الانقلاب، فالديمقراطية في أبهى حلّتها والشرعية في أوج عنفوانها، وحتى إن تأبّد بهم الحال وبقوا إلى وقت معلوم، فهذا دليل على أنّ الشعب ملتحم بهم وهم ملتحمون به

والواقع أنّهم يسابقون الزمن كي يقع “ضمان” كلّ دواليب الدولة ومفاصلها إليهم، اعتمادا على “الانغماس” و”الاندساس” و”الولاء” و”البيعة” وتصيّد “المؤلّفة قلوبهم” على قاعدة اقتسام “الغنيمة”، وبذلك يتمكّنون من تأْبِيد حكمهم باسم الديمقراطية والشرعية والشعبية

لكن، إن حصل أن “أُخرجوا” من الحكم بأيّة طريقة كانت حتى بالانتخابات مثلما حصل في ليبيا سنة 2014، فإنّهم يَدْعُون إلى “النَفِير” تنْديدا بالديمقراطية التي دِيسَتْ وشرعية الصندوق التي اسْتُبِيحَتْ وحُرْمة الدستور التي انْتُهِكت، فكان أن استُرجعت الشرعية في ليبيا بقوّة السلاح ولا يهمّ إن انقسمت وقتها البلاد وإلى الآن إلى سلطتيْن ومنطقتيْن تتنازعان على الشرعية، وحاولوا استرجاعها في مصر بالاعتصامات والمظاهرات التي تحوّلت لاحقا إلى حمل السلاح والاعتداءات المسلّحة، تماما كما حدث في الجزائر في بداية التسعينات من القرن الماضي

وقد حاولوا في السودان استرجاع شرعية انقلابهم الذي قاموا به سنة 1989 ضدّ حكومةٍ لديها شرعية الصندوق آنذاك، وذلك بمحاولة انقلاب أخرى منذ مدّة قصيرة إثر طردهم من الحكم سنة 2019، وربّما الاستثناء الوحيد في كلّ هذا هو المغرب الأقصى لأسباب ليس هنا مقامها

وفي تونس، عملت حركة النهضة جاهدة طيلة هذه العشرية على اسْتِمْلاك “الثورة التونسية” بل واعتبار أن كلّ “ثورات الربيع العربي” خرجت من الرحم الإخواني، وهي هنا لا تشذّ عن التوجّه الدعائي الإخواني الذي استملك “الثورات” التي أطاحت بالحكم في ليبيا ومصر واليمن وتبنّى “الثورة” المسلّحة ضدّ الحكم في سوريا

لذا، أظهرت حركة النهضة نفسها وكأنّها أو هي فعلا المؤتمنة على “الثورة” في تونس والحريصة على مبادئها والوفاء لها ولشهدائها، وما دامت هي كذلك، فهي لن تشذّ عن القاعدة الإخوانية عندما تكتشف أنّ هذا الصرح الذي تستند عليه في التمكين المرحلي، إنّما هو بصدد الافلات منها

وهنا يهمّنا ترصّد “الحالة” الإخوانية في تونس، عقب حدوث “انقلاب 25 جويلية” كما يدّعون، إذ حاول زعيمها استنساخ التجربة الإخوانية في مصر من خلال التنادي بالشرعية المهدورة وشجب “الانقلاب على الدستور”، وخاصّة دعوة أنصاره إلى الاعتصام في البرلمان لاستنساخ تجربة ميدان رابعة والنهضة في القاهرة، لكن بعد فشل هذا التوجّه، قرّر الانحناء والبحث عن تكتيكات أخرى

واعتقادنا، أنّ رئيس حركة النهضة اهتدى اليوم إلى الطريقة المُثلى في محاولة الامساك بخيوط اللعبة دون أن يَظْهر عَلنًا كذلك، وذلك من خلال اعتماد استراتيجية توزيع “صواريخ” الويْل والثُبور على الانقلاب وإسقاط الشرعية والدكتاتورية في كلّ مكان بتونس والخارج، بعيدا، وهذا هو الأهمّ، عن جُبّة النهضة والإخوان، والدفع بـ”طابورها الخامس” إلى الواجهة الإعلامية والجماهيرية كي ينبري في التنديد بما حدث بالنيابة عن النهضة، والدفع نحو مرْكزة الويْل والثبور على الرئيس قيس سعيد دون سواه كي يقع تحميله : الانقلاب على الدستور

وبذلك يتحقق أمران في هذه الدعاية : توجيه الرأي العام التونسي إلى اعتبار الرئيس قيس سعيد هو المسؤول الوحيد عن هذه “الكارثة” التي حلّت بـ”الديمقراطية” في تونس، بل والعمل على تحميله كلّ كوارث العشرية التي حكمتها حركة النهضة، فإذا انهار الاقتصاد الآن فالسبب “انقلاب قيس سعيد” وإذا كانت الفوضى قادمة فالسبب هو قيس سعيد، وكلّما تمّ ترديد هذه التوجّهات، كلّما انغرست تدريجيا لدى البسطاء من التونسيين خاصّة أنّ النهضة ليست هي وراء هذه الدعاية ظاهريا على الأقلّ وما يعني ذلك من انسيابها أكثر لدى التونسيين

وهكذا تتنصّل حركة النهضة تدريجيا وبمرور الوقت من مسؤوليتها عن “عِشْرية الخراب” كي تُلبّسها إلى الرئيس قيس سعيد الذي “ساعدها” في هذا التوجّه دون أن يدري، وذلك من خلال “الغموض” و”الضبابية” اللذين اكْتَنفا هذه المدّة، الأمر الذي دفع بالعديد من مؤيّدي إجراءاته إلى الحيرة والتذبْذب، وهذا بالذات ما تريده حركة النهضة.
والأمر الثاني هو دفع الرأي العام الغربي تحديدا إلى الاعتقاد بأنّ الديمقراطية انتهت فعلا في تونس، وبأنّ حركة النهضة الممثلة لـ”الإسلام الديمقراطي”، كما يحلو لرئيسها تسميتها، هي المدافع شبه الأوحد عن الشرعية الدستورية، معتمدة مرّة أخرى على اللوبي الإخواني العالمي المُسْتتر وعلى “طابور خامس” تونسي لها في الخارج

وبفضل ذلك، تتمكّن حركة النهضة من اختراق الجبهة الداخلية والخارجية معًا، دون أن تظهر في الواجهة مباشرة، مُكْتفية بِبَيَاناتٍ بين الفيْنة والأخرى تبرز بها هذا “التوجّه الديمقراطي الناصع”! وحتى تحرّكات أنصارها تمّ تغْليفها في تسْمياتٍ على غرار “مواطنون ضدّ الانقلاب” ويتصدّرها “طابورها”، والصفحات الفايسبوكية المكلّفة بالدعاية بعيدة كلّ البعد عمّا يوحي بتبعيتها لحركة النهضة باستثناء واحدة تقريبا، وحتى الشعارات التي ترفع في هذه الوقفات هي شعارات جامعة لكلّ من يعتقد أنّ ما حدث هو “انقلاب” و”دوْس” للدستور، ولا علَم يُرفع إلاّ علَم تونس فقط

وبفضل ذلك أيضا، يتمكّن رئيس حركة النهضة من تخفيف غَلْوَاء الاستقالات التي وقعت في حزبه، وذلك من خلال رصّ صفوف القواعد النهضوية حوله اعتمادا على “تقنية” استنهاض مشاعرهم واسْتِلْهابها، وقد رأينا تجلّيات هذا التوجّه في مسيرة 10 أكتوبر بشارع الحبيب بورقيبة، إذ بدا أنصاره على أُهْبة الاستعداد لارتكاب المحظور لو سُمح لهم بذلك أو لو تمّ تجييشهم معنويا من أجل ذلك

عُمُومًا، يمكن إطلاق تسمية “التقيّة من وراء ستار” على هذه الإستراتيجية التي تعتمدها حركة النهضة الغنوشية، وهي التي سبق أن أتْقنتها في السابق من خلال “الحكم من وراء ستار” طيلة العشرية الماضية

لكن، يدفعنا هذا التجييش للقواعد إن تواصل، إلى استحضار السيناريو المصري منذ صائفة 2013 والسيناريو الجزائري في بداية التسعينات من القرن الماضي، ونستحضر خاصّة السيناريو التونسي في الثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، فهل يُقْدم رئيس حركة “الإسلام الديمقراطي” على هذا المحظور؟ و”يحرّر المبادرة” مثلما فعل من قبل وما يعني ذلك من تداعيات كارثية عليه هو وعلى حركته قبل أيّا كان؟ أم أنّه سيُحْجم عن ذلك؟ ننتظر ونَرَ 

والأهمّ، هل يعني ذلك، أنّ هذا المجهود النهضوي سيكلّل بالنجاح؟

حقيقةً لا أعتقد ذلك، بالنظر إلى أنّ مشكلة حركة النهضة ليست مع الرئيس قيس سعيّد وإنما مع غالبية التونسيين. وهنا بالذات، لا يمكنها مهما “غَافلت” و”خَادعت” من وراء ستار أن تسترجع ثقة التونسيين فيها. فقد خسرت وإلى الأبد تعاطف جزء منهم معها، لذلك حتى وإن نجحت في إحداث اختراق في أزمتها مع الرئيس سعيّد، فإنّها لن تكسب شيئا
وستكتشف حركة النهضة بكلّ شقوقها الحالية والقادمة المتلوّنة منها أو الثابتة، أنّ زمنها قد انتهى وولّى ولن يرجع مهما “خاتلت” أو “تَحَوْرَبت”، لأنّه باتت لدى التونسي حصانة ليس من فيروس كورونا فقط وإنما أيضا من فيروس “خلط الدين بالسياسة”. وهنا بالذات يكمن المعنى الحقيقي لـ”زلزال” 25 جويلية 2021، والزمن لا يمكنه أن يرجع أبدا إلى الوراء

بقلم خالد عبيد